اهتم سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) منذ بدايات دراسته الحوزوية في طرح الأسئلة الوجودية، و العميقة التي تهدف لمعرفة الرؤية الإسلامية في جميع جوانب الحياة، وهذه الأسئلة دفعته بدورها للبحث في المنبع الصافي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو القرآن الكريم. قال رسول الله، صل الله عليه وآله: “فضل القرآن على سائر الكلام كفضل اللّٰه على خلقه”.
ومن مؤلفاته التي اقتُبست من أنوار كتاب الله المجيد هو كتاب؛ “في رحاب القرآن” الذي سنتناول بعض أطرافه لعرضها أمام القارئ.
الفصل الأول: آفاق قرآنية
في هذا الفصل يدافع المرجع المدرسي عن القرآن الكريم ويحاول إخراجه من دائرة الهجران إلى معترك الحياة ويحضنا على قراءته بطريقة جديدة مع محاربته للأفكار التي تحول بين المسلم وكتابه، حيث يوضح أنه على الرغم من التطور في زماننا فإننا ما زلنا بحاجة القرآن.
وتؤمَّن هذه الحاجة من خلال:
١.تربية الجيل الجديد على أسس قرآنية بتحفيظهم الآيات مع تفهيمهم إياها.
٢.جعل القرآن محورياً في الدراسة الأكاديمية و الحوزوية.
ويؤكد سماحته أن القرآن كتاب الجميع، فالعالِم يفهمه مع مراعاة قاعدة المحكم والمتشابه، والإنسان العادي يمكنه أن يفهم الكثير من معانيه أيضاً. ومن لا يفهمه يمكنه أن يتعلم ممن يفهمه.
الفصل الثاني: حقائق قرآنية
من أجل فهم القرآن المجيد يبين سماحة المرجع المدرسي دام ظلّه ضرورة سمو روح الإنسان، “بأن يقصد رضوان الله –تعالى- لكي يعي القرآن ويحضّ على اتباع أسس التدبر فيه -طرحها سماحته في كتب أخرى- حيث يتجرد المتدبر من الأفكار الشخصية، وعند العجز عن فهم النص القرآني، نرجع لأحاديث أهل البيت، عليهم السلام، ونسأل العلماء، ولا نشكل فهماً من أنفسنا”.
كما يشير سماحته أن الجسر الرابط بين العقل والقرآن هو التدبر في القرآن الكريم.
الفصل الثالث: لفتات قرآنية
ليلة القدر مولد القرآن الكريم
عظمة شهر رمضان تأتي من عظمة ليلة القدر، وعظمة ليلة القدر تأتي من عظمة الكتاب الذي أُنزل فيها وهو القرآن العظيم.
الكتاب الذي يرسم ملامح حياتنا كما يريدها الرب، ويرسم علاقتنا ببعضنا وبأنبيائنا وأئمتنا الذين يوصلوننا إلى الرب ورضوانه، ويعلموننا كيفية بناء أنفسنا وفق تعاليم الرب، وكيفية محاسبة أنفسنا، وقياس صحة أعمالنا حيث أن القرآن ميزان لأعمالنا، قال أمير المؤمنين، عليه السلام: “عباد الله، زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وحاسبوها قبل أن تحاسبوا”.
وفي حديثه عن فضل القرآن الكريم
يبيّن المرجع المدرسي أن القرآن كتاب متصل بمصدره، فيجب تلاوته مع توجه الى البارئ، وأن نعرف من يخاطبنا، ومن ثمّ علينا أن نجد الأُنس بالقرآن وحبه في قلوبنا، بل يجب أن يكون القرآن من أحب الأشياء لنا، فحبه من حب الله، والأدب واجب مع من تحب، و أشار سماحته لأهم آداب التعامل مع القرآن الكريم وهي:
1- أن تستشعر قلوبنا بأننا أمام خطاب الله.
2- ظهور خشوع القلب على الجوارح.
3- محاولة الفهم والتطبيق وفق منهج التدبر.
4- التسليم للقرآن الكريم.
كما أن علينا تربية الأبناء وأجيال المستقبل على حب القرآن وتعلمه والتدبر فيه .
عن أمير المؤمنين، عليه السلام: “حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه، ويحسن أدبه، ويعلمه القرآن”.
الفصل الرابع: نظرات قرآنية
هنا يطرح سماحة المرجع المدرسي مجموعة من البصائر (الرؤى) القرآنية للحياة بشكل عام.
وفي بداية هذا الفصل يتحدث سماحة المرجع المدرسي عن كرامة الإنسان ويشير إلى أنها غير مرتبطة بالمال أو العشيرة أو المنصب وإنما مرتبطة بإنسانيته وشخصيته الإنسانية، فلأنه إنسان استحق الكرامة الإلهية وليس لأمواله أو غيرها.
كما يتحدث سماحته عن حق كل إنسان بالحياة الحرة الكريمة. وعدم جواز سحب هذا الحق من الأبناء بالاجهاض أو القتل بحجة الفقر أو غيره، وفي نفس الوقت يؤكد سماحته على أن الاعتدال في الإنفاق هو أساس الحياة الكريمة وضمان عدم الفقر والحاجة.
القرآن نجاة من الشك
يوضح سماحة المرجع المدرسي أن اقترابنا من القرآن الكريم يعني ابتعادنا عن الشك لأنه كتاب لا ريب فيه ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
النقد الذاتي
وفي بصيرة أخرى يشير إليها سماحته، وهي أن القرآن يدعو للتوبة وينبذ اليأس ويدعونا إلى الصبر في مواجهة المصاعب معتبراً الصبر عبور إلى المستقبل ورؤية زوال الصعوبات وهيمنة البارئ عليها، {ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ}، حيث بيّن القرآن الكريم أن جزاء الصابرين هو النصر في الدنيا والآخرة وأن مجرد تخطي الحاضر والعبور للمستقبل يكسب الصبر.
الإستقامة رؤية قرآنية
يبين المؤلف أن كل شيء ينجز خلال زمن لا يمكن اختصاره، لذا كانت الاستقامة مهمة، {فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ}، كما بيّن أن تحقيق الأمن والسلام يكون من خلال اطمئنان النفس، وهو النقيض للحقد والعصبية.
ويبين سماحته أن شكر النعمة يكون بالاستفادة منها عملياً وليس الشكر اللفظي فقط، {وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا * إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا}.
فمثلاً؛ الشيطان لم يستفد من نِعم ربه، ولم يشكرها فهو مبذر والمبذرين إخوانه في ذلك.
الإحسان محور العلاقة الأسرية
{وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا}، في هذه البصيرة القرآنية يؤكد المرجع المدرسي أن المنطق والوجدان يدعوان المرء لترك الفكرة النفعية ويتوجه لفكرة الإحسان كمنهج للحياة ونظام اقتصادي و اجتماعي يضمن السعادة.
الأُسس الاقتصادية في القرآن
{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ}.
إن الاقتصاد الإسلامي قائم على تشريع الحرية والتعاون واحترام حقوق الآخرين ومصالحهم.
القواعد السياسية في القرآن
بصائر من سورة الشورى:
1- ولاية الله تعني ولاية الرسول والأئمة والصالحين وتعني ولاية العدل والزهد والتقوى والفضيلة والإيثار والفقه.
2- الشورى في الحكم في إطار ولاية الله.
3- وجوب الدفاع عن النفس ومقاومة البغي.
البشرى والإنذار في القرآن
{كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ * بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ}.
البصيرة: عندما نمر بآيات العقاب ننذر أنفسنا لنسعى لتجنب هذا العقاب والعكس مع الثواب ننذر أنفسنا لاكتساب الثواب.
بين الجنة والنار
{مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا * وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا}.
البصيرة: أن الإنسان هو من يحدد مصيره باختياره في الدنيا، فإذا استعد للآخرة فاز بها، وإن تجاهل الآخرة واهتم بالدنيا فلا حظ له في الآخرة.
ـــــــــــــــــــــــ
*طالب سادس إعدادي.
