أسوة حسنة

الامام السجاد و التثقيف للانتصار الحسيني

كان لاستشهاد الامام الحسين، عليه السلام، في واقعة عاشوراء وقعاً مؤلماً في نفوس المؤمنين لا يحتملوه إلا بردّ ثوري مسلح ضد النظام الأموي الغاصب لخلافة رسول الله، صلى الله عليه وآله، ومنذ أول ردة فعل فدائية –إن صحّ التعبير- من قبل التوابين، ومن ثمّ حركة المختار الانتقامية في الكوفة، وسائر الحركات المسلحة التي واكبت حياة الأئمة المعصومين، عليهم السلام، تعرفت الأمة على شعار “يالثارات الحسين”، فعجنت بمشاعر أبنائها –الشريحة المؤمنة منهم- فكانت الانتفاضات تلو الانتفاضات في العهد الأموي، واستمرت المسيرة مع صعود العباسيين الى السلطة، بيد أن النتائج لم تلبي الآمال بالاطاحة بالظالمين وإقامة حكم الله وإحياء سنة رسوله، ولكن دماء الشهداء كانت تضيء للأجيال طريق المعارضة والإصلاح والوقوف بوجه الظلم والطغيان والانحراف على طول الخط.

هذا المشهد التاريخي الذي نجد امتداداته حتى اليوم، يؤيده ثلّة من العلماء والباحثين في مشروع النهضة على أنه خطوة إيجابية من افراد الأمة نحو تحمّل مسؤولية الإصلاح وإن كلفهم أرواحهم وأموالهم، والى جانب هذا المشهد، ثمة مشهد آخر يرسمه الأئمة المعصومون، عليهم السلام، وفي المقدمة؛ صاحب الذكرى؛ الامام السجاد، عليه السلام، الذي تمر هذه الأيام ذكرى استشهاده سنة 95 للهجرة، أي بعد عاشوراء بأربعة وثلاثين سنة، وهي فترة طويلة جداً قضاها الإمام في مشروع نهضوي وتربوي طويل الأمد بعيداً عن السيف والعنف والدماء. فأيهما كان الأجدى والأنفع للأمة؛ هذا المشروع الطويل الأمد، أو المشروع الثوري القصير الأمد؟

المعالجة من الداخل

أغلب الظن أن الحل في المعالجة من القمة، وتحديداً من رموز السلطة، فهم سبب البلاء والرزايا والمصائب، بينما الامام السجاد المكلّف إلهياً بمهمة رسالية، فان أمامه مهمة تربوية للقاعدة الجماهيرية، مع الأخذ بنظر الاعتبار معارضة الظلم والطغيان بالاستنكار والشجب والبراءة، وعدم الانصياع له، ولذا اتسمَّ مشروع الإمام السجاد بالهدوء لأنه ركّز على البكاء واستذكار مصاب أبيه وأهل بيته في كربلاء، وايضاً؛ التزام النهج التربية الأخلاقية والروحية من خلال سلسلة من الأدعية والأذكار والمناجات لتدفع الناس الى مراجعة الذات وإصلاحها.

وبمراجعة بسيطة للوضع الاجتماعي آنذاك، نجد أبرز مشكلة نفسية عانى منها افراد الأمة في عهد الامام السجّاد؛ الازدواجية، وهي نفسها التي دفعت بأهل الكوفة لأن يتحولوا من الولاء للإمام الحسين، الى العداء، والانصياع لإنسان وصفه الإمام الحسين بأنه “دعي ابن دعي”، بأن يكونوا في جنوداً في جيش يقاتل الامام في كربلاء، ولسنا بوارد الخوض في أسباب هذا المرض النفسي وعلاقته العضوية بسياسات الدولة الأموية منذ عهد معاوية، وكيف أنه حاول تحويل الدين الاسلامي الى طقوس ظاهرية دون محتوى، ولا قيم أخلاقية ودينية تعيش مع حياة الناس، كما أراد رسول الله، صلى الله عليه وآله، إنما المهم في هذا الحيّز التركيز على طريقة المعالجة، وهي قاتلة النخبة المثقفة طول الزمن، فالامة تعيش أزمات في الأخلاق والعقيدة، ومشاكل نفسية على صعيد الفرد الجماعة، فتكون الحاجة قبل التفكير بتغيير الواقع الخارجي؛ تغيير الواقع الداخلي لتكون الانطلاقة على قاعدة رصينة لا تورث الفشل ولا الندم.

اتسمَّ مشروع الإمام السجاد بالهدوء لأنه ركّز على البكاء واستذكار مصاب أبيه وأهل بيته في كربلاء، وايضاً؛ التزام النهج التربية الأخلاقية والروحية من خلال سلسلة من الأدعية والأذكار والمناجات لتدفع الناس الى مراجعة الذات وإصلاحها

طريقة الامام السجاد في فترة ما بعد عاشوراء كانت تجانب طريقة الحماس والعواطف الجياشة، فقد “سعى الامام السجاد من خلال سيرته وأدعيته وتربيته للرساليين الى تركيز المبادئ الإسلامية في النفوس، وهذا كان يتطلب وقتاً طويلاً، بينما كان البعض يريد أن يتم التغيير بشكل سريع دون إعارة أية أهمية لهذا العامل المهم في نجاح أي ثورة وضمان عدم انحرافها”. (التاريخ الإسلامي، دروس وعبر- المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي).

ثورة لا تنتهي

قبل أن يثور الإمام السجاد على الحكام بالسيف، ولاسيما قتلة أبيه؛ الامام الحسين، أمثال يزيد، وابن زياد، وعمر بن سعد، وشمر وأشباههم، ثار على النفوس المريضة بسجوده وأدعيته العظيمة والمدوية، وأيضاً؛ اخلاقه النبوية الرفيعة، يكفي قراءة دعاء مكارم الأخلاق، لنعرف أي كنز معرفي تركه لنا الإمام! و أي مدرسة شيدها للأمة والاجيال لتعرف كيفية التعامل فيما بينها! أما الصحيفة السجادية، والمناجاة الخمسة عشر، فهي الأخرى كنز معرفي يجعل صاحبه على خط اتصال مباشر مع الله –تعالى- يقلعه من الموبقات والانحرفات والتشوهات في السلوك والثقافة والتفكير في هذه الحياة الدنيا.

وهذه المدرسة هي امتداد لمدرسة الإمام الحسين، فالأصحاب الخلّص المتبقين معه يوم عاشوراء هم تلاميذ هذه المدرسة، ولذا تنقل الروايات عنهم أنهم أمضوا ساعات ليلة عاشوراء بالدعاء وقراءة القرآن والصلاة، “وكان لهم دويٌ كدوي النحل”، حسب وصف الروايات التاريخية، وبهذه الروحية العالية خاضوا المعركة وحققوا الانتصار الكبير عبر التاريخ.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا