إضاءات تدبریة

الرجوع إلى الله.. يقظة الإنسان بين العقل والشهوة

{إِنَّ إِلی‌ رَبِّكَ الرُّجْعی}. (سورة العلق، الآية: 8).

الانسان بطبيعة الحال كائن جامع لصفات أرفع الخلق، وأقلهم {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}، به العقل الشريف الذي هو مفتاح الجنان وباب رضا الرحمن، وبه الشهوة التي تعاكس العقل بعادتها إذا لم تُكبح، فيكون خليط عجيب، جامع للنافع والضار، للشر والخير.

فإذا تُرك الإنسان لاهيا لاعبا عصى وطغى، وذهب إلى أهله يتمطى، أي أنقلب إلى أهله مسرورا فرحا بذلك العصيان والطغيان لعدم وجود رادع يردعه.

لكن هيهات فذلك مالم يتم {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} يعني هل يكون مخلوق للّهو واللعب فقط؟ لا يؤمر بطاعة، ولا يُنهى عن معصية حتمًا لا، فغاية الخلق مرسومة واضحة ناصعة، ان تكون إنسانا كاملًا خالدًا، تنعم بالرضوان وتُفسح لك الجنان.

فالرب ـ تبارك وتعالى ـ يذكر الطاغوت بتلك الحقيقة فيقول: {إِنَّ إِلی‌ رَبِّكَ الرُّجْعی}، يعني هناك حساب بثوابٍ أو عقابٍ، بحسب محتوى الكتاب، وهولاء الطواغيت ينصدمون بالحقيقة عندما تتجلى لهم بالبرزخ أو الحشر حيث يقولوا: {وَ وُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَ يَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}.

فبمجرد التفكير بتلك الحقيقة يتجرد صاحبها من الأنّا، ويتوجه بنفسه وكل ما يملك من غالٍ ونفيس إلى ربه، قبل ان يُجرّ فينصدم ويولول، ويطلب العودة {حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ}، لكن هيهات فما أن يموت الطاغوت تظهر حقيقته؛ بأنه ذليل ضعيف، حقير، وضيع، مسكين، فقير.

الخلاصة: الإنسان مخلوق مزدوج التركيب، يجمع بين العقل والشهوة، بين قابلية الارتقاء والانحدار، فإذا تُرك دون توجيه، طغى وعصى وظن أنه بلا حساب، لكن الحقيقة الإلهية تؤكد أن المرجع إلى الله: {إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى}، حيث يُحاسَب على كل صغيرة وكبيرة. فغاية الوجود ليست اللهو، بل الوصول للكمال الإنساني ونيل رضا الله. ومن يغفل عن هذه الغاية يندم حين لا ينفع الندم، وتنكشف له حقيقته الضعيفة بعد الموت.

عن المؤلف

سجاد كاظم

اترك تعليقا