مناسبات

عاشوراء ثقافةٌ لكلّ العصور

الثقافة كما عرَّفها خبراء الفكر والفلسفة، هي منهج حياة، يرسم الخطوات الصحيحة لمجموعة من البشر، كأن تكون أمة أو شعبا، نزولا إلى أصغر الخلايا الاجتماعية وهي العائلة، لهذا يحدث تباين واضح في السلوك بين هذه الأمة أو تلك، وبين هذا الشعب أو ذاك، وبين هذه الأسرة وتلك، هذا التباين يحدث في السلب وفي الإيجاب.

بمعنى إن الثقافة الجيدة الأصيلة القائمة على قيم صحيحة، تقدم للناس خرائط سلوكية ناجحة، لهذا تجد تلك الأمة أو الشعب وحتى الأسرة متقدمة على سواها في الحياة، والسبب يعود إلى منظومة الثقافة التي تقدم خريطة المنهج السلوكي ضمن ضوابط واضحة ويتم الالتزام بها والعمل في ضوئها، وهكذا نستطيع أن نستنتج المعادلة التالية، كلما كانت الثقافة متماسكة أصيلة وجيدة، كانت الأمة و الشعب و الأسرة ناجحة ومتقدمة والعكس صحيح طبعا.

نأتي الآن إلى ثقافة عاشوراء التي تنتسب إلى مبادئ النهضة الحسينية العظيمة، جميع أهل الشأن وعلى مدى قرون متتابعة، يؤكدون بأن ثقافة عاشوراء تصلح لكل العصور، لماذا يقولون هذا الكلام، وكيف استنتجوا ذلك؟

عندما نذكر مفردة عاشوراء يتبادر لنا على الفور الإمام الحسين عليه السلام، وملحمة الطف، والتضحيات التي لا تقدَّر بثمن، تلك التي قدمها الثائر الأعظم سيد الشهداء للإسلام والمسلمين حتى يستنقذ أمة جده، ويستعيد الإسلام الحقيقي إلى الوجود، ويحميه من موجات الانحراف التي عصفت به.

كل هذا حدث كنتيجة للنهضة الحسينية التي بدأت بخروج الإمام الحسين، عليه السلام، من الحجاز، رافضا للظلم، ثائرا على يزيد الذي حاول بكل ما يستطيع أن يجعل الإسلام الحقيقي النبوي في خبر كان، لذلك قام بحملات شعواء لتشويه الدِين، وتدمير العقائد، وجعل منظومة القيم الإسلامية لا دور لها في حياة المسلمين.

الثقافة الجيدة الأصيلة القائمة على قيم صحيحة، تقدم للناس خرائط سلوكية ناجحة، لهذا تجد تلك الأمة أو الشعب وحتى الأسرة متقدمة على سواها في الحياة، والسبب يعود إلى منظومة الثقافة التي تقدم خريطة المنهج السلوكي ضمن ضوابط واضحة ويتم الالتزام بها والعمل في ضوئها

هذا هو سبط الرسول، صلى الله عليه وآله، إنه الإمام الحسين بن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام، كيف يسكت عندما يرى يزيد يعبث بالدِين الذي أرسى مبادئه جده الرسول، صلى الله عليه وآله، وهكذا وُلِدت ثقافة عاشوراء، وتأسس وقامت على أسس ومبادئ واضحة المعالم، وأهمها رفض الظلم، رفض الفساد، العمل بسياسة اللين وكبح العنف بكل أنواع، وعدم إعلان الحرب على الآخرين.

وإرساء قواعد السلام كافة، لأن الحرب من أفعال الشيطان، والسلام صناعة ربّانية كريمة، هكذا عرَّف الإمامُ الحسين الإسلامَ، ونهلَ من علوم جده الرسول وأبيه الإمام علي وأمه سيدة نساء العالمين وأخيه الحسن المجتبى، صلوات الله عليهم جميعا، ومن يدخل في هذه المدارس العظيمة، سوف يكتسب القدرات الكبيرة والعظيمة على مواجهة الجور والطغيان.

وهذا ما جرى بالضبط، إعلان الرفض المطلق لكل مشاريع يزيد، صغيرها وكبيرها، وفضح مآربه الساعية إلى تدمير الأمة الإسلامية وزرع الفتن والفرقة فيما بين أفرادها، وهكذا كانت الحاجة إلى ثقافة عاشوراء مصيرية وحتمية، حتى يمكن من خلالها استنقاذ الناس من حضيض الجهل، وتزويدهم بالثقافة الإيمانية التي تحميهم من دسائس يزيد وبطانته الخبيثة.

ثقافة عاشوراء يمكن أن نطبقها اليوم في حياتنا، كما أنها صلحت للعهود الماضية وسوف تبقى صالحة للمستقبل إلى ما شاء الله، ومن خلال هذه الثقافة يمكن أن نرمم تفاصيل حياتنا وجميع تعاملاتنا، لأن هذه الثقافة تمنحنا أيضا منظومة أخلاقية رصينة، نعتمد عليها في جميع نشاطاتنا وتعاملاتنا، فلا يكون هناك ظلم، ولا أكل لحقوق الناس، ولا ظلم يطال الضعفاء، كما أن الناس تكون لها القدرة على مواجهة الحاكم الظالم، وترفض إي تجاوز على الحقوق والحريات، وهذا ما قدمته لنا ثقافة عاشوراء بالأمس واليوم وغدا أيضا.

من هنا فإنها ثقافة لكل العصور، لأن للظلم وجه واحد وإن تعددت أنواع الظلم، كما أن آثار الجور واضحة للعيان، والحسينيون هم الذين يتصدون للظلم، ويرفضونه رفضا قاطعا، يحدوهم الأمل بحياة كريمة، بل الكرامة هي أعظم هدف تسعى إلى حمايته ثقافة عاشوراء، وإذا تمكن الإنسان أن يعيش بكرامة مُصانة، وحقوق محمية، فإنه سوف يشعر بقيمته كإنسان، وهذا بالضبط ما أراد أن يحققه الإمام الحسين عليه السلام لأمة جده، عندما خرج قائلا: “لم أخرج أشرا ولا بطرا إنما خرجت للإصلاح في أمة جدي”.

إذن نحن أمام ثقافة ذات صفة قابلة للثبات إلى الأبد، كونها ثقافة تصطف إلى جانب الخير وترفض الشر بكل أنواعه، وهذا هو جوهر النهضة الحسينية وثقافة عاشوراء التي تمنحنا دائما الثقة والرغبة الدائمة في العيش الكريم والسليم في ظل ثقافة عاشوراء التي تتوافق مع كل العصور.

عن المؤلف

حسين علي حسين/ ماجستير إدارة أعمال

اترك تعليقا