رأي

المنبر الحسيني وكلام في الوظيفة ومهام التبليغ

من حق كل مدرسة فقهية أن تطرح موقفها الشرعي ورؤيتها الخاصة بكيفية التعاطي مع موضوعات الشأن العام الديني، ولكن!

طرح بعض خطباء المنبر الحسيني المقدّس هذا العام رؤية تتعلق بوظيفة المنبر، حيث قصروا مهمته الأساسية على رثاء الإمام الحسين، عليه السلام، وذكر السيرة المباركة لأهل البيت، عليهم السلام، مع الدعوة إلى تقييد خطاب المنبر بهذا الإطار، وقد استندوا في ذلك إلى قاعدة فقهية تتعلق بوقفية المنبر، و رؤية أخلاقية تهدف إلى حماية الخطاب الديني من التوظيف السياسي لأي غرض كان، وقد أثار هذا الطرح ردود أفعال واسعة بين مؤيد ومعارض.

للأسف، انحرفت بعض مسارات النقاش عن دائرة الحوار العلمي والفكري، وتحولت إلى مواقف متشنجة بين من يتبنون هذه الرؤية ومن يختلفون معها، وقد ابتعدت بعض جوانب هذا النقاش عن أخلاقيات وآداب الاختلاف، واتسمت بالشحن والتوظيف العاطفي.

هنا نود أن نُضيف إلى هذا النقاش، بشكل مختصر، الإشارة إلى النقاط التالية:

أولاً: من حقِّ كلِّ مدرسةٍ فقهية أن تتبنى رؤيتها الخاصة تجاه الموضوعات العامة، وأن تعلن عنها وأن تطرحها بوضوح استناداً إلى متبنياتها الفقهية ورؤيتها الشاملة للشأن الديني، إلّا أنّ من المهم الانتباه إلى الأسلوب والتوقيت وطريقة الطرح، وأهم نقطة في هذا السياق، هو تقدير بأننا نعيش في وسط تتعدد وتتنوع فيه المدارس الفقهية، وما يقتضيه واقع الحال من ضرورة تجنُّب التعميم المفرط عند طرح الموقف الفقهي أو الرؤية الخاصة على الشأن الديني العام، وتجنب أسلوب الطرح الإقصائي للمواقف الفقهية والرؤى الخاصة حول الشأن العام الديني خصوصاً وأننا نعيش واقع حال تتعدد فيه الآراء وتتنوع فيه المواقف الفقهية، لتجنب الإثارة أو تجنب إحداث الفتنة في بعض الموارد.

من حقِّ كلِّ مدرسةٍ فقهية أن تتبنى رؤيتها الخاصة تجاه الموضوعات العامة، وأن تعلن عنها وأن تطرحها بوضوح استناداً إلى متبنياتها الفقهية ورؤيتها الشاملة للشأن الديني، إلّا أنّ من المهم الانتباه إلى الأسلوب والتوقيت وطريقة الطرح

ثانياً: أظهرت التفاعلات السلبية الأخيرة الحاجة الملحة إلى مراجعة منهج التعامل مع القضايا العامة التي تشهد تبايناً أو تعدداً في المواقف الفقهية والرؤى، ويجب الابتعاد عن أسلوب الطرح الوصائي في مثل هذه القضايا، مع التأكيد على أهمية احترام التنوع والتعدد في مدارسنا الفقهية، سواء في المباني أو في الرؤى المتعلقة بالشأن الديني العام. إن مراعاة هذا التنوع يساهم في حماية تماسك المجتمع ويحول دون نشوء اصطفافات سلبية تؤثر على وحدته وانسجامه.

يجدر بكل مدرسة فقهية أن تحترم حق المدارس الفقهية الأخرى المشروعة في تبنّي الموقف الشرعي بإزاء القضايا العامة ورؤيتها الخاصة تجاه القضايا العامة، وفقاً لمبادئها ومبانيها الفقهية ونظرتها الخاصة الشاملة للشأن الديني.

ومن الضروري هنا تجنُّب تعميم المواقف الفقهية الخاصة على الشأن الديني العام، لاسيما في المسائل التي تتسم بتعدد وتنوع الآراء والمواقف الفقهية. إن احترام هذا التنوع يعزز مناخ الحوار ويثري النقاش العلمي، ويحول دون الوقوع في إشكالية الإقصاء أو تضييق دائرة الرأي في القضايا العامة.

أمّا رؤيتنا الخاصة بوظيفة ومهمة المنبر الحسيني المقدّس، لمن يتسائل، سنأتي عليها في مقال فكري لاحق.

عن المؤلف

د. راشد الراشد

اترك تعليقا