أثبتت الدراسات التربوية الاجتماعية الأثر الواضح للوراثة والبيئة الاجتماعية في تكوين شخصية الإنسان اذا ينعكس هذا الأثر على جوانبها الجسدية والنفسية والروحية جميعها، فاغلب الصفات تنتقل من الوالدين والأجداد إلى الأبناء؛ إما بالوراثة او بخلق الاستعداد والقابلية للاتصاف بهذه الصفة، او تلك ثم يأتي دور المحيط التربوي والبيئة الاجتماعية ليقرر النتيجة النهائية.
ولقد توفرت في عقيلة بني هاشم السيدة زينب جميع العناصر التربوية الفذة التي لم تظفر بها غيرها من النساء، فأخذت من تلك العناصر جوهرها لتعدها بعد ذلك لتحمل مسؤوليات عظيمة ومواجهة مواقف صعبة وخطيرة يضعف فيها الرجال، فضلا عن النساء اللاتى يتميزن بالرقة، والعاطفة، ورهافة الإحساس على تحمل هذه المسؤولية، وهي حمل لواء الإسلام جنباً إلى جنب مع أخيها الأمام الحسين، بل والاستمرار في مواصلة المسيرة، ونشر أهدافها العظيمة، وغاياتها السامية والتي ما كان لها إن تنتشر وتنتصر لولا السمات والقابليات الكبيرة التي تحملها السيدة زينب كما أمدتها عناصر تربيتها بقوى روحية لا حد لها من الإيمان الوثيق بالله والصبر على ما انتابها من محن وخطوب.
يمكن أن تحدد المراحل التي مرت بها السيدة زينب في ضوء منظومة تتكون من ثلاث علاقات وتحتوي كل علاقة على مجموعة من القيم التربوية التي تختص بها وهي الميدان العملي لتطبيق تلك القيم، وفي هذا المقال نتاول القيمة الأولى وهي:علاقة الإنسان مع ربه.
إن تنمية القيم التربوية في الشخصية الإسلامية تعتمد على تكوين الوازع الذاتي في النفس البشرية، فالإنسان مطالب بعدّة واجبات في إطار علاقته بربه وهي تعود عليه بالنفع، والخير، والسعادة، وتتلخص في الإيمان بالله تعالى والإخلاص له والطاعة في جميع الأحوال، وشكره على نعمه التي لاتعد ولا تحصى، وأن تكون أعلى درجات الحب لله وحده، وهذا الأمر لا يشمل العبادات فحسب، وإنما يتعداها إلى ما يقوم به الإنسان من معاملات، وسلوك، وقيم وأسلوب حياة ونظرية عمل.
1 – قيمة الإيمان:
يقصد بقيمة الإيمان هي تلك العقيدة المتكاملة التي يتحرك بها المسلم في مجال الحياة، ومن هنا فقد عُرّف الإيمان بأنه أقرار باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان.
وتشمل الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، وباليوم الآخر، وبالقضاء، وبالقدر خيره وشره، ومن أركان الإيمان التوكل على الله والتفويض أليه والتسليم لأمره والرضا بقضائه.
وقد تربّت عقيلة بني هاشم في بيت الدعوة إلى الله ذلك البيت الذي كان فيه مهبط الوحي والتنزيل، ومنه انطلقت كلمة التوحيد، وامتدت أشعتها المشرقة إلى جميع شعوب العالم، وأمم الأرض، فتغذّت بجوهر الإيمان، وواقع الإسلام، وانطبع حب الله في عواطفها ومشاعرها حتى صار من مقوماتها الذاتية.
وصار الإيمان الوثيق بالله تعالى والانقطاع الكامل إليه من أهم خصائص حفيدة رسول الله، صلى الله عليه وآله، السيدة زينب، حيث كشفت كل نازلة نزلت بها عن أسمى معاني الإيمان في نفسها وعقلها.
فعندما ارتحل جيش بن سعد في زوال اليوم الحادي عشر من المحرم ومعه نساء الإمام الحسين وأطفاله، ومعهم الإمام علي بن الحسين، زين العابدين، طلبت النسوة من جيش الأعداء ان يمروا بهم على جثث شهداء كربلاء، وحين نظرن الى جسد الإمام الحسين، وأهل بيته وأصحابه، صحن وبكين ولطمن على الخدود، فاشتد الأمر على الإمام علي بن الحسين، وكان مريضا فقالت له العقيلة زينب: “مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي فو الله ان هذا لعهد من الله إلى جدك وأبيك، ان قبر أبيك سيكون علما لا يدرس أثره، ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلال في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره الا علوا”.
السيدة زينب عليها السلام عاشت أفاق المعرفة الصحيحة والشاملة وأجواء الروحانية والقدسية في ظل جدها وأبيها وأمها وأخويها، وهم عليهم السلام، العابدون الحقيقيون
وهذا الموقف العظيم إنما يدل على إيمانها الكبير بالله وقضائه ولم يكن ايمانها بالله وثقتها به إلا صورة ناطقة عن إيمان جدها وأبيها وثقتهما به في أحلك الظروف واشد الأزمات.
٢ – قيمة الطاعة:
وقيمة الطاعة تتجلى في الخضوع لله ـ عز وجل ـ وامتثال أوامره ونواهيه، وهي نقيض المعصية والمخالفة، وتكون الطاعة خالصة لله تعالى، ومن أمر بطاعته وموافقتهم، وإذا كانت هنالك طاعة لمخلوق فيجب أن تكون منوطة بعدم معصية الخالق، وقد أظهرت السيدة زينب ارفع وأسمى ألوان الطاعة لله ـ عز وجل ـ ولم تخضع لغير أمره، متمسكة بأوامره ونواهيه رغم الترهيب والخوف الذي مورس ضدها.
فكان من عظم طاعتها لله انها صلّت في ليلة الحادي عشر من محرم رغم ما نزل بها من المصائب والأهوال في تلك الليلة، وفي ذلك الجو الذي يذهل فيه الإنسان عن نفسه مهما بلغ من رباطة الجأش، وقوة الإرادة.
وكانت طائعة الأمر لأولياء الله الذين تعتمد بإمامتهم في اشد الظروف قسوة، فبعد أن قُتل أهل بيتها وأصحابهم، وبعد حرق خيام النساء والأطفال، هرعت إلى الإمام السجاد تسأله عن الموقف الشرعي والواجب المفترض القيام به من قبلها فأجابها الأمام قائلا: :عمة عليكن بالفرار”.
٣- قيمة العبادة
العبادة تعني ما يؤديه الإنسان المكلف تقرباً لله ـ تعالى ـ كالصلاة والصوم وغيرها، حراً كان أم عبداً، والعباد مخلوقاته الله الذين يعبدونه، وقد كانت الحوراء زينب، عليها السلام، في كل مراحل حياتها من العابدات القانتات والمعروفات بذلك فهى كأمها الزهراء، عليها السلام.
فالسيدة زينب عليها السلام عاشت أفاق المعرفة الصحيحة والشاملة وأجواء الروحانية والقدسية في ظل جدها وأبيها وأمها وأخويها، وهم عليهم السلام، العابدون الحقيقيون، وقد كانت زينب في عبادتها ثانية أمها الزهراء وكانت تقضي عامة لياليها بالتهجد وتلاوة القرآن الكريم.
٤ – قيمة الحب
الحب هو الميل إلى الأشخاص أو الأشياء العزيزة والنافعة وعلامته هي إيثار من تحب على غيره من الناس أو الأشياء، ويكون أسمى الحب وأقدسه لله تعالى، ولأهل طاعته ومحبيه، وبغض أهل المعاصي ورذائل الكفر، ولقد كانت أفعال وأقوال السيدة زينب كلها تسير في ركاب حب الله وحده، حتى أن كلمة حب عندها لا تطلق على غير حب الله تعالى. حيث ذكر انها كانت جالسة ذات يوم وهي طفلة صغيرة عند أبيها فبادرته قائلة: “أتحبنا يا أبتاه فأجابها وكيف لا أحبكم وانتم ثمرة فوادي فأجابته بأدب واحترام: يا أبتاه أن الحب لله تعالى والشفقة لنا”.
ه – قيمة الزهد
قيمة الزهد تعني ترك الدنيا ومباهجها بالقلب والجوارح إلا بالمقدار الضروري للحياة والحفاظ على النفس، والزهد يعني الرغبة في الآخرة أكثر من الدنيا، وقد ذمَّ القرآن الكريم الرغبة في الدنيا، ودعا إلى الزهد فيها، والترغيب في الآخرة، إذ قال تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} ، وفي الآية إشارة واضحة، ودعوة صادقة من الله ـ سبحانه وتعالى ـ إلى ترك الدنيا ومباهجها، واللجوء إلى الاخره ومغانمها، ولا يتم ذلك الامن خلال الزهد بها.
قيمة الطاعة تتجلى في الخضوع لله ـ عز وجل ـ وامتثال أوامره ونواهيه، وهي نقيض المعصية والمخالفة، وتكون الطاعة خالصة لله تعالى، ومن أمر بطاعته وموافقتهم
وقد تجسَّدت قيمة الزهد في حياة أهل البيت والسيدة زينب، فكان من زهدها أنها ما ادخرت شيئا من يومها إلى غدها، وتمضي عامة لياليها بالتهجد وقراءة القران الكريم، مقتديةً بأبيها أمير المؤمنين الذي طلق الدنيا ثلاث لا رجعة له فيها، وأمها فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، التي روي انها: استقت بالقربة حتى أثرت في صدرها وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها، فكانت السيدة زينب لا تملك في دارها سوى حصير من سعف النخل وجلد شاة، وكانت تلبس الكساء من صوف الإبل وتطحن بيدها الشعير إلى غير ذلك من صنوف الزهد والأعراض عن الدنيا.
6- قيمة الإخلاص
قيمة الإخلاص تعني صفاء الأعمال من شوائب الرياء وجعلها خالصة لله تعالى، والعمل الخالص هو الذي لا تريد أن يحمدك عليه الا الله ـ عز وجل ـ، ويعدُّ الإخلاص شرطا واقعياً لصحة الأعمال ودليل قبولها لدى الله ـ سبحانه وتعالى ـ، وقد كانت السيدة زينب مثالاً فريداً في الإخلاص لله تعالى والانقطاع إليه في أقوالها وأفعالها وهي في ذلك تقول: “من أراد أن لا يكون الخلق شفعائه إلى الله فليحمده الم تسمع إلى قوله سمع الله لمن حمده فحف الله لقدرته عليك واستحمن لقربه منك”.
7– قيمة الشكر
قيمة الشكر تعنى عرفان النعمة من المنعم والمتفضّل وحمده عليها واستعمالها في مرضاته، ومن دلائل الشكر للخالق التقدير للمواقف والأفعال الطيبة التي يقدمها لنا الآخرون، فمن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، وللشكر أقسام عديدة منها شكر القلب وشكر اللسان وشكر الجوارح.
وقد أعطت السيدة زينب في شكرها لخالقها مثالاً ليس له نظير عندما وقفت ليلة الحادي عشر بعد قتل أهل بيتها، وحرق خيامها، وسلب أموالها، وترويع الأطفال والنساء لتؤدي صلاة الشكر لله تعالى، لأنها كانت ترى هذه المأساة نعمة مادامت تحفظ كيان الإسلام، وقيمه، ومبادئه.
__________________
من كتاب: القيم التربوية في سيرة السيدة زينب عليها السلام
