ثقافة رسالية

نهج البلاغة والحياة (77) كيف يصنع ذكر الموت إنساناً فاضلا؟

قال أمير المؤمنين، عليه السلام: “نَفَسُ المرء خطاه الى أجله”. (نهج البلاغة – الحكمة: 74).

هل يمكن إيقاف الموت؟

هل يمكن الحفاظ على نضارة الشباب وتأخير الشيخوخة؟

ما هي اساسا عوامل الموت؟

لماذا تؤكد كل الديانات على تذكّر الموت؟

أليس من الافضل ان نتذكر الحياة ونعيشها؟

لماذا نعكّر صفو الحياة وحلوها بذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات؟

للاجابة على هذه الاسئلة لابد أن نبيّن الامور التالية:

لا شك ان لكل شيء في هذه الحياة عمرا محدودا؛ للشجرة عمر محدود، فعلم النباتات يؤكد ان شجرة التفاح ـ مثلا ـ لها عمر قد ينقص او يزيد قليلا، وكذا النخلة، ونبتة الوردة عمرا محددا، وشجرة البرتقال لا يمكنها ان تُعمّر ألفَ عام وهذا الامر نفسه حتى في المصنوعات التي ينتجها البشر، فالمعلبات بانواعها لها عمر محدود، حينما يشتري الانسان سيارة او اي جهاز يعرف ان له عمر معين.

وهذه الحقيقة يؤكدها القرآن الكريم: {كُلُّ شَيءٍ هَاَلِكٌ إِلا وَجْهُهُ}، فكل ما يطلق على شيء يهلك، الماء، والجبل، والحديد وما اشبه، وما يقبى إلا وجه الله فهو الابدي والازلي.

قال امير المؤمنين: “لكل شيء مُدة وأجلا” و “جعل الله لكل شيء قدرا ولكل شيء أجلا” فكل شيء في هذه الحياة له قدرات وطاقات معنية، فالحديد مثلا له قدرة تحمل محددة للحرارة، إن زادت فإنه يذوب، فالصواريخ التي تستعمل ضد الدبابة تكون الحرارة فوق تحمل الحديد، ولذا يذوب الحديد، حتى الطاقة والتحمل لها عمر، فالحديد يتحمل مثلا درجة حرارة بمقدار ألف، لكن ليس الى ما لا نهاية، ففي فترة معنية يتحمل ذلك ثم تتبدد تلك الطاقة.

قال تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} قانون محدد سلفا، {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ}، {وَاْلَذِي قَدَّرَ فَهَدَى} كل شيء له حد ومقدار وطاقة.

والانسان ليس استثناء مما حوله من المخلوقات، هو ايضا لها طاقة معينة، كما ان لعيوننا طاقة محدودة، فالنظر يكون لمسافة محددة، وإن كان هناك شيء تريد ان تراه ابعد من طاقة عينك فلن تراه، ورؤية الاشياء ممكنة في حال عدم وجود حواجز معنية، أما إذا كان هناك جدار فلا يرى شيئا، أقوى رئيس وجيشه يمتلك الاسلحة الكثيرة إن وضع أمام عينه ستارا من الورق فهو لن يرى خلفه، الاُذن قادرة على السماع لها هذه القدرة محدودة، واليد قوية وقادرة على حمل شيء او قلع آخر، لكن ايضا في حدود.

تذكّر الموت شيء حضاري، وفي روايات النبي وأهل بيته الطاهرين، أن من لديه كفن في بيته، وقد أعدَّ وصيته، فإنه عمره يكون طويلا، فلربما يمد الله في عمره لانه متذّكر للموت

في الطب الحديث؛ يقول: أن قمة نشاط الانسان عندما يكون في التاسعة عشر من عمره، وعضلات الانسان لا تنمو بعد الخامسة والعشرين، وفي سن السادسة والثلاثين تنحدر القوة وتبدأ بالخور، حينئذ يصبح شيئا فشيئا عاجزا، وكما يطلق عليه بالتعبير الحديث: الانسان كائن يتآكل من داخله، و عامل تآكله ليس من الخارج، وتغيير المعادلة خارجيا لا توقف قطار الموت، فتغيير الطعام، والاكسجين وغيرها لا معيار لها، فالفقير يموت، وكذا الغني، الامير والعبد، الرئيس والمرؤوس، فالموت عامل تسوية بين الجميع.

لماذا لا نحب الموت؟

البشر لا يحبون الموت، لانه “زائر كريه”، ولا يحب الانسان الشيخوخة، لذلك عندما يبدأ الشعر البيض بالظهور في الرأس او اللحية يبدأ بمهاجمتها، وحينما يترك الزمن آثار عجلته على وجه الانسان يسعى الى نفيها ومحوها، إلا ان العلم الحديث يقول: الشيخوخة لا يمكن قهرها، والشباب فترة مؤقتة تغمض عينك وتفتحها وإذا بك كهل، شيخ طاعن في السن، لك عينان لكن لا تبصر بهما، ولك يدان لكن لا تقوى على حمل شيء.

وأعجب شيء هو كلام أمير المؤمنين، عليه السلام: “نَفَسُ المرء خطاه الى أجله”، قد يفسرها الانسان أنه كلما تنفس كلما نقص عمره، فحين يمر على البشر ليل ونهار يتناقص العمر.

الطب له تفسير لهذه الحقيقة: أن السبب الرئيسي لتآكل الاجسام الحية وموت الخلايا وجود الأوكسجين، فالتنفس الذي لو انقطع عن إنسان يكون مميتا للإنسان! الافراد الذي يصابون بحادث مثلا ويدخلون في غيبوبة يُعطى لها اوكسجين صناعي لكن في لحظة من اللحظات يُبعد عنه، لان إذا وصل الى الدماغ قد يقضي عليه ويموت. قال تعالى: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}

موقف الناس من حقيقة الموت

للناس ثلاثة مواقف تجاه الموت:

  1. موقف المتغافل عن الموت: وهذه الفئة لا تريد التحدث عن الموت، بل يريدون الكلام عن الحياة، وهذا ما نجده في الغرب، فحياتهم قائمة عن البحث عن افضل طعام، وافضل مركوب الى آخره من متع الدنيا، ولا ذكر لحقيقة الموت عندهم، وهذا اصحاب هذا الاتجاه لا يحسب للأجل حسابا، وكأن الموت مكتوب على الآخرين، لذلك لا يُعير أهمية لعمره، فتراه يبعثر ساعاته في الملهيات كوسائل التواصل الاجتماعي.

وهذا النوع ـ عادة ـ لا ينجز شيئا في الحياة، لانه ـ مثلا ـ خلال عشرين سنة يبني بيتا، او خلال خمسين عاما يؤلف كتابا، او يقوم بعمل خيري واحد.

  • موقف المؤمن بالأجل: اصحاب هذا الموقف يؤمنون بحقيقة الموت لكن الآمال والامنيات، تغطي على ذكر الموت.
  • موقف المتذكّر الدائم للموت.

ما دام الانسان يتذكر الموت فطريقة تعامله مع الزمن تختلف؛ فلا يضيع اوقاته، ولا يجلس مع البطالين، ولذا يجب ان يحمّل المؤمن كل نَفَس يخرج منه عملا صالحا

تذكّر الموت شيء حضاري، وفي روايات النبي وأهل بيته الطاهرين، أن من لديه كفن في بيته، وقد أعدَّ وصيته، فإنه عمره يكون طويلا، فلربما يمد الله في عمره لانه متذّكر للموت.

وتذّكرالموت لا يعني انّه يلاحقنا دائما لانه بيد الله، ونسيان الموت لا يعني انه غافل عن الانسان، ولذا لابد ان نكون عقلاء في التعاطي مع هذه الحقيقة، وإذا وضعنا الموت نصب اعينا دائما ستكون الامور التالية:

  1. ذكر الموت يعدّل ميول الانسان ومواقفه واعماله، فلا يطيش ولا يحيف، فمن يتذكر الموت لا يظلم غيره، كل الطغاة تغافلوا عن الموت، يقال: أن سبب طغيان فرعون وادعائه للألوهية أنه قضى أربعين عاما ولم يصب حتى بالزكام.
  2. التعامل مع الزمن: ما دام الانسان يتذكر الموت فطريقة تعامله مع الزمن تختلف؛ فلا يضيّع اوقاته، ولا يجلس مع البطالين، ولذا يجب ان يحمّل المؤمن كل نَفَس يخرج منه عملا صالحا، وامير المؤمنين يعد الانفاس خطوات الى الاجل وليس الأيام، فجدير بالعاقل ان يضيّع لحظات عمره، بدون عمل وانجاز، لان العمر رأس مال لا يتعوّض.
  3. تعديل مصير الآخرة: الذي يأخذ بعين الاعتبار مجيء الموت يعيش سعيدا، ويموت حميدا، قال الامام الصادق، عليه السلام: “ذكر الموت يميت الشهوات في النفس ويقطع منابت الغفلة ويقوى القلب بمواعد الله ويرق الطبع ويكسر أعلام الهوى ويطفئ نار الحرص ويحقّر الدنيا وهو معنى ما قول النبي، صلى الله عليه وآله، فكر ساعة خير من عبادة سنة”. الانسان لديه آمال كثيرة، والشهوات تضغط عليه لكي يشبعها، لكن بمجرد ذكر الموت تتعدل الشهوة وتعود الى مكانها لانها اشبه بالمارد.

إن تذكّر الموت لا يأتي بالموت، وإنما هو في الرؤية الاسلامية منهج تربوي يمكن الانسان المسلم من مراقبة اعماله وسلوكياته في الحياة، فما دمنا نؤمن أن هناك آخرة (جنة ونار) فلابد أن نعدل سلوكياتنا لنحظى برضوان الله وجنته.

_______

(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا