بسرعة غير طبيعية تحول مغادرة الأم لبيتها وأسرتها أمراً طبيعياً بدعوى العمل تحت مبررات عديدة نأتي اليها، ومن ثمّ تحول الأمر الى مطلب اجتماعي وثقافي الى درجة أن تخشى كل امرأة اليوم من مطاردة مزعجة للاتهامات بالجُبن، والضعف، والمهانة اذا ما آمنت بدورها داخل البيت، وبين أفراد أسرتها.
قبل الخوض في مبررات ودواعي تضحية الأم (الزوجة) بأسرتها من اجل العمل خارج البيت، يجدر بنا التثبّت من حقائق لا يماري فيها أحد، لاسيما بنات حواء انفسهنّ، فكل واحدة تمثل عنصراً فريداً من نوعه في المجتمع، له أدوار خاصة واستثنائية لا تتم إلا من خلالها مثل؛ النسل، والعاطفة، وهاتان الخاصيتين تحديداً، لا تمثلان هوية للمرأة وحسب، بل وتعد المعيار الأوحد لنجاح او فشل أي مجتمع وأمة بكاملها، فاذا ما كانتا على الطريق الصحيح، صلحت الأمة، والعكس يؤدي الى فسادها ودمارها، كما تؤكد لنا تجارب الشعوب الأخرى.
الدوافع المادية لعمل المرأة، هل هي حقيقة؟!
جرت بحوث ودراسات مستفيضة حول الأسباب المؤدية الى دخول المرأة سوق العمل منذ بدايات القرن الماضي، وكانت البداية من البلاد الغربية (اوربا والولايات المتحدة الأميركية)، ومن أبرز ما توصلوا اليه؛ دوافع مادية بحتة تتصل بأصحاب المصانع والرساميل من ذوي الطموح البشع في تلك الفترة، أكثر ما تتصل بمصلحة المرأة ذاتها، بأن تكون صاحبة دخل مستقل، كما يجري الحديث عنه اليوم، فقد تم افتتاح مصانع متعددة لمختلف اشكال السلع الاستهلاكية لغرض التسويق، فكان لابد من وجود أيدي عاملة و رخيصة، فتم استدعاء المرأة بمغريات المال، ثم اقتناء وسائل رفاهية حديثة في المنزل، مثل أدوات الطبخ، والمفروشات، والأجهزة الكهربائية والصوتية، الى جانب الألبسة المختلفة.
تبيّن الأبحاث والدراسات أن إظهار الأم حبها وحنانها للطفل يؤدي الى أن يكون الطفل اكثر ذكاءً، وحسب هذه الدراسات فان الأطفال المحرومين من حنان الأم، أقلّ ذكاءً مقارنة بالأطفال الذي يعيشون حياة طبيعية
فمن أجل تمتع المرأة بحياة اكثر رفاهية واقل تعباً داخل البيت، كأن يكون لديها مكنسة كهربائية، او طباخ غازي مع فرن للشواء، او غسالة ملابس وصحون، فكل شيء يعمل بالازرار، ولا حاجة لاستخدام اليد والعناء، ثم الحصول على أجمل الأزياء والاحذية والحقائب والاكسسوارات من الأسواق دون الحاجة الى الخياطة ومشاكل الوقت والأجرة، ثم مشاهدة التلفاز في الليل لقضاء الوقت المتبقي قبل النوم.
هذا كان في البداية، ولكن بعد انكشاف مساوئ عمل المرأة خلال العقود الماضية، لاسيما الأجور المنخفضة بالقياس الى الرجل، ثم التبعات السلبية على المرأة في صحتها البدنية، وصحتها النفسية، وحياتها الزوجية والاجتماعية، بدأ الحديث عن “شخصية المرأة” المرهون بالعمل خارج البيت، وأن بقائها في البيت يعني تقييد حريتها وكبت “لطاقاتها الإبداعية”، مما يعني أن الجانب المادي يتراجع أمام الجانب الإنساني والنفسي، فان البحث عن الذات صار هو الأولى على البحث عن المال، وحتى وإن وجد الزوج –مثلاً- مورداً مالياً اضافياً يخاله عضيداً له على تكاليف المعيشة، فان شعور المرأة (الزوجة) بذاتها وشخصيتها يصطدمه الى الفور، لسبب بسيط واحد، أنها حرة بالتصرف في مالها، وهو حق مكفول شرعاً وقانوناً.
حساب الحقل وحساب البيدر في مشروع عمل المرأة
انه مثل معروف في الزراعة بحصول الاختلاف في معظم الأحيان بين حساب الحقل، وما فيه من حصاد المحصول، وبين حساب البيدر بعد نقل الحصاد اليه، فربما تحصل عليه طوارئ او متغيرات معينة، فالمرأة من حيث المبدأ، وبنواياها الحسنة، لا تريد إلا الخير لنفسها ولمحيطها الاجتماعي، بيد أن العبرة دائماً بالنتائج، لاسيما في ظروف التحديات الثقافية الراهنة، ليس في العراق، بل في جميع انحاء العالم، والدول اليقظة، بشعوبها ونخبها المثقفة، وقوانينها، وحكوماتها، تعمل على حماية قلب المجتمع والدولة، ألا وهو؛ الأسرة من الأفكار والثقافات المسببة للتفكك والتمزق، وهو ما ينعكس مباشرة على قوة الدولة بأكملها، فعندما يكون الشاب مدمناً على المخدرات، او مصاباً بالكآبة، ولا يجد في حياته باباً يدخله سوى الانتحار، او يكون –في أحسن الفروض- صامولة في ماكنة الاقتصاد، فمن أين يأتي رجال الدولة بالعقول التي تصنع الطائرات، والجسور، و وسائل الاتصال الحديث، والروبوتات؟
من هنا على المرأة التفكير اكثر من مرة قبل إعطاء الأولوية للعمل خارج المنزل على علاقتها بأبنائها وزوجها وبيتها لوجود آثار سلبية سلط عليها الضوء، خبراء وعلماء في عديد دراساتهم حول الموضوع، فكانت النتيجة ما يلي:
- بلورت المرأة دورها الاجتماعي والسياسي من خلال حضورها في ميادين العمل الوظيفي “متسلحة” بالشهادة الجامعية، ومنخرطة بالعمل السياسي، لكن في نفس الوقت عقّدت العلاقة بينها وبين الأسرة والزوج تحديداً، فهي انسانة في قالب واحد يؤدي دورين مختلفين؛ خارج البيت، بما يحتاجه من شدّة، وغلظة، واستهلاك للقوة البدنية والذهنية، كما يقوم به الرجل، والدور المفترض لها كامرأة هويتها الفطرية؛ المشاعر والعواطف داخل البيت مع أبنائها وزوجها، وقد توصل الباحثون الى أن المرأة تعمل ضعف أوقات عمل الرجل الذي يدخل الى البيت، ويتوجه فوراً على الأريكة، او السرير للاسترخاء، بينما المرأة تدخل الى البيت، وتتوجه فوراً المطبخ، او الى غرف الأطفال، فضلاً عن إلقاء نظرة على زوايا البيت وما فيه متطلبات ومشاكل.
- حرمان الطفل من العاطفة والحنان الذي لا يجده مطلقاً إلا بين أحضان أمه، وأكدت الدراسات أن لابتعاد الأم عن الطفل آثار سلبية تتعلق بشخصيته ونموه المعرفي، فقد توصل “ابراهامسون أن حنان الأم بالنسبة للطفل هو بمنزلة فيتامين نفسي ومصدر لتلبية حاجاته”، (عمل المرأة.. مقرابات دينية واجتماعية- مجموعة كتاب)، وقد اتفقت كلمة معظم علماء النفس، ومنهم؛ فرويد، على الأهمية البالغة لقرب الأم من الطفل، وأن أي انفصال وابتعاد، يخلق في نفس الطفل حالات قلق، وخوف، واضطراب تلاحقه في سني حياته.
- 3- “تبيّن الأبحاث والدراسات أن إظهار الأم حبها وحنانها للطفل يؤدي الى أن يكون الطفل اكثر ذكاءً، وحسب هذه الدراسات فان الأطفال المحرومين من حنان الأم، أقلّ ذكاءً مقارنة بالأطفال الذي يعيشون حياة طبيعية”، ومن أبرز البراهين؛ فقدان الطفل في مرحلة الدراسة الابتدائية للمحفزات على النجاح والتفوق، ومواجهة الصعوبات والمشاكل المختلفة في حياته الجديدة بالمدرسة، بينما هو فاقدٌ للحياة الأسرية بسبب غياب أمه وانشغالها، فانه سيفقد –تبعاً لهذا- المصباح الذي ينير له الدرب في حياته المدرسية والعلمية، فيعيش اليأس والإحباط والعدمية في الحياة كلها.
على المرأة التفكير اكثر من مرة قبل إعطاء الأولوية للعمل خارج المنزل على علاقتها بأبنائها وزوجها وبيتها لوجود آثار سلبية سلط عليها الضوء، خبراء وعلماء في عديد دراساتهم حول الموضوع
هذا المآل المحزن لأطفال من أمهات عاملات، او منشغلات باهتمامات بعيدة عن البيت، هم من تكون لديهم الأرضية الخصبة لتلقي مخلتف اشكال الثقافات الوافدة عبر الانترنت، وحتى بعض المؤلَفات المترجَمة التي يجد فيها الحضن الدافئ الذي تستقر نفسه ويطمئن قلبه عندها، ويجد خارطة طريق حياته فيها.
وإذن؛ فان اللوم يجب ان ينصبّ كليةً على الأطفال او الشباب في موضوع الاختراق الثقافي والفكري، لأن السبب في مكان آخر لابد من معالجته لسدّ هذه الثغرة الخطيرة، او على الأقل إعطاء الأولوية للطفل والابناء في البيت على العمل مهما كان، فهو يأتي بالدرجة الثانية، حتى تكون المرأة (الأم) مؤدية لدورها الحقيقي وفق الفطرة التي فطر الله –تعالى- الانسان عليها، وليس وفق المثيرات الخارجية والمغريات الكاذبة.
