الهدى – وكالات ..
تشهد سوريا تصعيدًا مقلقًا يستهدف الوجود الشيعي في منطقة السيدة زينب (عليها السلام) بريف دمشق، تزامناً مع اغتيالات تطال رموزًا دينية شيعية، وعمليات خطف ممنهجة تستهدف النساء والفتيات العلويات في غرب البلاد.
وهذه التطورات تثير مخاوف واسعة من تغييرات ديموغرافية قسرية، وتهديدات خطيرة للسلم المجتمعي والتعدد الديني في ظل صمت رسمي وتجاهل دولي.
توتر في محيط مقام السيدة زينب (عليها السلام) وحملة إخلاء قسرية
وشهد محيط مقام السيدة زينب (عليها السلام) في ريف دمشق الأسبوع الماضي توتراً واسعاً، بعد قيام مجموعة مسلحة مكونة من نحو عشرين شخصاً بالتجمع أمام مدخل المقام، مطلقة هتافات طائفية مسيئة بحق المرجعيات الدينية الشيعية.
مصادر محلية أفادت بأن المجموعة قامت بشتم المراجع علناً أمام الزوار والسكان، مرددة شعارات استفزازية أثارت قلقاً بين الأهالي والزائرين.
واللافت في ذلك هو التجاهل التام من قبل قوات الحماية التابعة للحكومة السورية الجديدة لهذه الأحداث.
وفي تطور أكثر خطورة، بدأت جهات محسوبة على السلطات المحلية بتنفيذ حملة إخلاء قسرية لعدد كبير من المنازل التي تعود لسكان شيعة في المنطقة.
شهود عيان أكدوا مصادرة محتويات تلك البيوت وتوجيه شتائم طائفية لسكانها. وفي اتصال أجرته جهات حقوقية مع أحد المرتبطين بجهاز حكومي نافذ في المنطقة، أكد الأخير وجود أوامر بإفراغ منطقة السيدة زينب (عليها السلام) من سكانها الشيعة، بهدف تقليص وجودهم وإحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة.
وتأتي هذه التطورات وسط صمت رسمي تام من جانب الجهات الحكومية، وعدم صدور أي توضيح أو موقف حتى اللحظة، ما يثير مخاوف متصاعدة من تصعيد أكبر قد يهدد السلم المجتمعي والتعدد الديني في إحدى أكثر المناطق الرمزية للطائفة الشيعية في سوريا. ويُعبر أبناء الطائفة عن قلقهم حول مستقبل التعايش والتوازن الديموغرافي، في ظل ما يصفه مراقبون بـ “نهج متعمد لإضعاف الوجود الشيعي” في بعض المناطق، خاصة مع التحولات السياسية المرتقبة في البلاد.
اغتيال الشيخ رسول شحود: استهداف لصوت الاعتدال وقلق من فراغ أمني
وأثار اغتيال الشيخ رسول شحود، أحد أبرز رجال الدين الشيعة في سوريا، موجة قلق وغضب عارمين. وقد عُثر على جثة الشيخ شحود مقتولاً بالرصاص قرب مدينة حمص، في حادثة وُصفت بأنها تهديد مباشر للنسيج المجتمعي واستهداف لصوت الاعتدال في البلاد.
ويأتي هذا الاغتيال في وقت يشهد تصاعداً في التوترات الطائفية، لا سيما مع اقتراب استحقاقات سياسية مرتقبة قد تعيد رسم ملامح السلطة في سوريا.
والشيخ شحود كان من أوائل من أسسوا مدرسة ثانوية لتعليم أبناء الطائفة الشيعية في سوريا، وعُرف بنشاطه الاجتماعي ورعايته لمئات الأيتام وفاقدي الرعاية، ما جعل من اغتياله صدمة في الأوساط الدينية والشعبية، وخصوصاً في قريته المزرعة، التي شهدت مظاهرات غاضبة طالبت بالكشف العاجل عن منفذي الجريمة.
وفي بيان نعي أصدرته الهيئة العلمائية الشيعية، اعتُبر الحادث “محاولة لشق الصف الوطني وزرع الفتنة بين مكونات الشعب السوري”، مؤكدة أن استهداف شخصية دينية معروفة بمواقفها المعتدلة “يمثّل انزلاقاً خطيراً في مسار الأزمة السورية”.
ورجّحت مصادر محلية ومراقبون وقوف جهات ذات نفوذ أمني خلف الاغتيال، في ظل تصاعد وتيرة التصفية السياسية داخل البلاد، وازدياد مشاعر القلق في أوساط الأقليات من فراغ أمني متسارع قد يفتح الباب أمام فوضى طائفية، أو تسويات سياسية لا تراعي خصوصية المكونات المجتمعية.
وتزامن هذا الاغتيال مع إعلان لجنة التحقيق الدولية انتهاء أعمالها في ملف مجازر الساحل، ما زاد من توتر الطائفة الشيعية ومكونات أخرى، التي ترى في هذه التطورات إشارات مقلقة تسبق أي ترتيبات انتقالية، وتطالب بضمانات واضحة تكفل أمنها ووجودها في أي مستقبل سياسي قادم.
ويؤكد متابعون للشأن السوري أن ملف حماية الأقليات سيكون أحد أبرز التحديات أمام أي تسوية قادمة، في ظل ما تحمله الذاكرة الجمعية من فصول مؤلمة، وفي ظل هشاشة الوضع الأمني الراهن.
تصاعد خطف النساء والفتيات العلويات في غرب سوريا وسط صمت رسمي
هذا وتشهد مناطق غرب سوريا تصاعدًا مقلقًا في عمليات خطف النساء والفتيات، لا سيما من الطائفة العلوية، وسط صمت رسمي يرقى إلى حدّ الإنكار.
تقارير ميدانية تفيد بتسجيل حالات خطف شبه يومية تنفذها مجموعات مسلحة يُعتقد أنها تتمتع بغطاء من سلطات الأمر الواقع.
وقد طالت عمليات الخطف قاصرات ومتزوجات، تم اقتيادهن من منازلهن في ظل غياب أي تدخل فاعل من الجهات الأمنية أو القضائية.
ووفقًا لروايات محلية، فإن بعض المختطفات يُحتجزن في ظروف قسرية ويُعاملن كـ “سبايا”، وسط بيئة يغيب فيها القانون وتنتشر فيها مظاهر الفوضى، ما يعيد إلى الأذهان المآسي التي لحقت بالنساء الإيزيديات إبان اجتياح تنظيم داعش لمناطقهم في شمال العراق عام 2014.
ويخشى مراقبون أن تتحول هذه الانتهاكات إلى نمط ممنهج يعيد إنتاج فصول من الاستعباد والاتجار بالبشر، في ظل صمت المجتمع الدولي وتراخي المؤسسات السورية الرسمية، التي لم تعلن عن فتح أي تحقيقات جادة في حالات الخطف المتكررة، رغم مناشدات الأهالي وتصاعد القلق المجتمعي.
ويأتي هذا التصعيد وسط تحولات في البنية الحاكمة للمناطق الغربية من سوريا، حيث تفرض مجموعات مسلحة نفوذها على الأرض مستفيدة من هشاشة الوضع الأمني وانهيار مؤسسات الدولة، ما يجعل النساء من الفئات المستضعفة عرضة للاستغلال والانتهاكات دون رادع.
