الهدى – متابعات ..
في ظل استذكار العراق ليوم الطفل العراقي الذي يوافق الثالث عشر من تموز، تبرز الحاجة الملحة لتشريع قانون شامل لحماية الطفولة، وسط تأكيدات من هيئة رعاية الطفولة في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بأن الاستثمار في الأطفال يمثل ركيزة أساسية لبناء الدولة والمجتمع.
ويأتي ذلك في ظل تحديات جمة تواجه أطفال العراق، أبرزها العنف، آثار تغير المناخ، الحرمان من التعليم، و”مأساة عمالة الأطفال” المتفاقمة.
يوم الطفل العراقي: استذكار ومطالب
وقالت فتوح عبدالكريم العنزي، مديرة مكتب هيئة رعاية الطفولة، إن تاريخ 13 تموز تم اعتماده يومًا للطفل العراقي تخليدًا لذكرى استهداف ملعب للأطفال في بغداد الجديدة بتفجير إرهابي عام 2005، راح ضحيته 34 طفلاً.
وأضافت: “تم اعتماد تلك المأساة مناسبة وطنية لتجديد الالتزام الأخلاقي والدستوري بحماية حقوق الأطفال وتعزيز رفاههم، وتسليط الضوء على قضاياهم واحتياجاتهم، والتأكيد على أن الاهتمام بالطفل ليس شأناً ثانوياً، بل ركيزة أساسية في بناء المجتمع والدولة”، مؤكدة أن “الطفولة أمانة في أعناقنا جميعاً، وأن الاستثمار في الطفل هو استثمار في حاضر العراق ومستقبله”.
تحديات متزايدة: العنف، المناخ، والفقر
وأوضحت العنزي أن الأطفال في العراق يواجهون تحديات متعددة، منها “التعرّض لأشكال متعددة من العنف، سواء في الأسرة أو في المجتمع، إضافةً إلى مخاطر الاستغلال والعقوبات الجسدية”، مشددة على الحاجة لتعزيز آليات الحماية والتبليغ.
كما أشارت إلى “تأثيرات تغيّر المناخ على واقع الطفولة”، خاصة فيما يتعلق بزيادة معدلات التصحّر، وتلوث الهواء والمياه، وارتفاع درجات الحرارة، مما يؤثر سلباً في صحة الأطفال ونموّهم.
ودعت إلى “إدماج قضايا البيئة والمناخ ضمن السياسات الوطنية الخاصة بالطفولة وتعزيز الوعي المجتمعي بهذه الجوانب”.
ولم يغفل التقرير عن مشكلة “الحرمان من التعليم”، حيث توجد “نسبة تسرّب من المدارس في بعض المحافظات، خصوصا المناطق الفقيرة أو المتضررة من النزاعات، إلى جانب وجود مدارس غير مؤهلة أو مكتظة”.
وتتفاقم هذه المشكلة “في ظل الفقر وسوء المعيشة؛ حيث يوجد عدد من الأطفال في أسر تعاني من الفقر، ما ينعكس على مستوى تغذيتهم، ورعايتهم الصحية، وإمكانية وصولهم إلى الخدمات الأساسية”.
وتستمر “آثار الحروب والعمليات الإرهابية” في تخليف الأطفال الأيتام أو فاقدي المعيل، مما يُبرز ضعف الأطر القانونية والمؤسساتية، و”غياب قانون الطفل الشامل، وتأخر إقرار قانون هيئة رعاية الطفولة، الذي يحدّ من عمل الدولة على تنسيق جهود حماية الطفل بشكل فاعل”.
عمالة الأطفال: مأساة اجتماعية وقانونية
وتُعد عمالة الأطفال في العراق “مأساة اجتماعية وقانونية” تتفاقم بفعل الفقر وضعف الرقابة. الناشط العمالي ستار علي يصف مشهد الأطفال العاملين بأنه “مأساة معلنة”، مشيرًا إلى أن “كثير من الشباب الذين تركوا مقاعد الدراسة في سن مبكرة، لم يفعلوا ذلك عن رغبة أو إهمال، بل لأن الفقر كان سيد الموقف”.
ويؤكد أن الظاهرة “تتغذى على الفقر والجهل والصراعات، ولا تدمر حاضر الطفل فحسب، بل تزرع بذور التفكك الاجتماعي لسنوات طويلة”.
وتصف الحقوقية نورس شاكر ما يحدث بأنه “خرق صريح للقانون”، حيث يمنع قانون العمل العراقي تشغيل الأطفال دون سن الخامسة عشرة.
وتُشير إلى “تواطؤ صامت بين أصحاب العمل وبعض العائلات المحتاجة”، حيث يستغل أصحاب العمل الأطفال كـ “أيدٍ عاملة رخيصة، لا تأخذ أجرًا عادلًا، ولا تتمتع بأي حقوق، ولا تكلفهم تأمينًا أو التزامات”، مؤكدة على أن غياب المحاسبة هو ما شجّع هذه الممارسات.
جهود حكومية ودعم دولي لمواجهة الظاهرة
في المقابل، تؤكد وزارة العمل والشؤون الاجتماعية سعيها الجاد لمعالجة ظاهرة عمالة الأطفال. فبحسب المتحدث باسم الوزارة، نجم العقابي، تبذل فرق الوزارة جهودًا متواصلة لرصد هذه الحالات واتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحق أرباب العمل المخالفين.
ويشير العقابي إلى أن الوزارة تعمل من خلال لجنة مختصة لمكافحة عمالة الأطفال، وبالتنسيق المباشر مع منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية.
ويضيف العقابي أن برامج الحماية الاجتماعية تغطي قرابة 4 ملايين طفل عراقي، تشمل توزيع سلال غذائية ومنحًا مالية لتلاميذ المدارس الابتدائية، بمبلغ شهري قدره 30 ألف دينار.
كما أعلن عن إطلاق دفعة جديدة من الدعم المالي ضمن برنامج “كاش بلاس” الذي يقدّم مبلغ 240 ألف دينار لكل مستفيد لمدة ستة أشهر، في محاولة لسد جزء من الفجوة الاقتصادية.
وقد استفادت محافظة المثنى، بوصفها من أكثر المحافظات فقرًا، من هذه المبادرة، حيث شملت نحو 7 آلاف مستفيد.
رؤى اقتصادية: هل الدعم المالي كافٍ؟
ورغم هذه الجهود، تبقى التحديات قائمة، خاصة مع الأرقام المقلقة التي كشفتها وزارة التخطيط، والتي تشير إلى أن 17.5% من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر، أي ما يعادل أكثر من 8 ملايين شخص.
كما تُشير تقارير منظمة اليونيسف إلى أن الأطفال هم الشريحة الأكثر تضررًا، إذ يشكلون النسبة الأكبر من بين 4.5 ملايين عراقي معرضين للفقر الشديد.
ويرى الباحث الاقتصادي عبدالله محمد أن “دفع مبالغ مالية شهرية للأسر الفقيرة لا يمثل حلًا فعالًا لمشكلة عمالة الأطفال، بل هو إجراء مؤقت قد يغفل الأسباب الحقيقية التي تدفع الأطفال للعمل”، لافتا الى أن “عمالة الأطفال ظاهرة متجذرة في الفقر المستدام ونقص فرص التعليم والتدريب، ولا يمكن مواجهتها بدعم مالي بسيط دون بناء منظومة اقتصادية واجتماعية شاملة”.
ويختتم: “دون سياسات تنموية حقيقية تركّز على تمكين الأسر اقتصاديًا وتوفير بيئة تعليمية ملائمة، سيبقى أطفالنا عرضة للعمل المبكر والاستغلال، مما يهدد مستقبل جيل كامل ومجتمعاتنا جميعها”.
