الهدى – متابعات ..
تتصاعد التحذيرات من خطورة تفشي ظاهرة السلاح المنفلت في محافظة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، بعد مواجهات مسلحة بين فصائل حزبية وعشائرية.
ويأتي ذلك في وقت يعيش فيه الإقليم أزمة زراعية خانقة أثقلت كاهل آلاف المزارعين، وسط انهيار حاد في أسعار المحاصيل المحلية وتخلي شبه كامل من الحكومة عن دعم الفلاحين.
السلاح المنفلت يهدد أمن أربيل: دعوات لتدخل حكومي حاسم
وحذر عضو تحالف الأنبار المتحد، محمد الدليمي، اليوم السبت، من أن انتشار السلاح المنفلت في أربيل “دق ناقوس الخطر”، خاصة بعد المواجهات الأخيرة بين مليشيات تابعة لحزب مسعود البارزاني وعشيرة الهركي.
وأشار الدليمي إلى أن هذه المليشيات تمتلك “أسلحة خفيفة ومتوسطة تهدد الأمن والسلم المجتمعي، كونها تدار من قبل مجاميع مسلحة خارج سيطرة الدولة”.
وأضاف الدليمي أن هذا الوضع يستدعي من القائد العام للقوات المسلحة اتخاذ إجراءات رادعة ونزع سلاح تلك المجاميع قبل خروجها عن السيطرة، مؤكدًا أن “حزب البارزاني يملك فصيلاً مسلحًا يعمل خارج إطار الدولة ويأتمر بأوامر العائلة الحاكمة”.
وقد ظهر ذلك جليًا، بحسب الدليمي، في “الهجوم الذي شنّته مليشيات البارزاني المسلحة بأسلحة خفيفة ومتوسطة وعجلات دفع رباعي على عشيرة الهركي، حيث يتحرك عناصر هذه المليشيات بحرية تامة، مستندين إلى هويات رسمية”.
وأشار الدليمي إلى وجود “تخوفات بين مواطني إقليم كردستان من انتشار السلاح المنفلت، خصوصًا مع ظهور مجاميع مسلحة تمتلك صفة رسمية”.
ولفت إلى أن “القوات الأمريكية قامت بتزويد حرس البارزاني بأسلحة ومعدات حربية متطورة، تم استخدامها في تصفية الحسابات على خلفية الخسائر المتعلقة بالسيطرة على حقول النفط في إقليم كردستان”.
أزمة زراعية طاحنة: محاصيل تتلف في الحقول وإفلاس يهدد المزارعين
وفي سياق آخر يصف بشير رشيد، فلاح خمسيني من قضاء عقرة بدهوك، مأساته واقفًا وسط أكياس الخيار المتكدس عند مدخل مزرعته: “زرعت خمسة دونمات خيار، دفعت أكثر من عشرة ملايين دينار، والآن الخيار يتلف أمام عيني.. لا تسويق، لا دعم، ولا حتى كلمة عزاء من الحكومة”. قصته ليست فردية، بل تمثل نموذجًا لآلاف المزارعين الذين يواجهون كارثة اقتصادية بعد انهيار أسعار محاصيلهم إلى مستويات لا تغطي حتى تكاليف النقل.
ورغم الوعود المتكررة من حكومة الإقليم بدعم الزراعة وحماية المنتج المحلي، يكشف الواقع الميداني عن تخلي شبه كامل عن فئة المزارعين، وتركهم يواجهون مصير الإفلاس والتخلي عن الأرض.
وتتكرر المشكلة في مختلف المحاصيل: الطماطم، البطاطس، البصل، والرقي. وفرة إنتاج لا تقابلها أسواق تصريف، وأسعار تهوي بسرعة أكبر من وتيرة نضوج المحاصيل.
في سوق الجملة بعلوة دهوك، روى الفلاح شوكت علي مأساته: “زرعت الرقي والقرع في خمسة دونمات، وجنيت منها آلاف الكيلوغرامات، لكنني بعت بيك آب محمل بالكامل بـ100 ألف دينار فقط. أحيانًا نبيع الرقية الواحدة بـ1000 دينار، والكيلو من القرع بـ150 دينار… هذه ليست زراعة بل خسارة موثقة”.
وأضاف متنهدًا: “لقد تعبنا في حر الصيف، وصرفنا الأموال على السماد والماء والعمال، ثم نأتي لنبيع المحصول بأقل من كلفة النقل؟ لا أحد يسمعنا، لا مسؤول ينزل من برجه العاجي ليشاهد ماذا يحصل لنا في الحقول”.
ويزيد من غضب المزارعين التناقض الواضح بين انهيار أسعار المنتج عند الفلاح وارتفاعها في الأسواق، حيث تباع الخضراوات للمستهلك بسعر يصل إلى 1000 دينار للكيلوغرام، بينما لا يحصل المزارع على أكثر من 100 دينار لنفس الكمية. ويعود السبب إلى حلقات متعددة من البيع والنقل وغياب الرقابة السعرية، ما يجعل الربح يذهب إلى الوسطاء والخسارة تقع دائمًا على الفلاح.
وعود حكومية “حبر على ورق” وغياب الرؤية الاستراتيجية
ولطالما أعلنت حكومة إقليم كردستان أنها تدعم الزراعة وتمنع دخول المحاصيل المستوردة خلال فترات جني الإنتاج المحلي، لكن المزارعين يؤكدون أن هذه الوعود لا تطبق، أو يتم تجاوزها بسهولة من قبل المتنفذين والمستوردين الكبار. والنتيجة: منتجات أجنبية تغزو الأسواق حتى في ذروة الإنتاج المحلي، ما يجعل المنافسة مستحيلة ويؤدي إلى تكدس المحاصيل وانخفاض قيمتها.
ويقول حجي أحمد، وهو أحد تجار الجملة في علوة دهوك: “بائعو العلاوي لا يستطيعون شراء الكميات الهائلة من المحاصيل من الفلاحين، لا توجد مخازن تبريد كافية، والكهرباء غالية أو مقطوعة. طلبنا عشرات المرات أن تخصص الحكومة كهرباء مدعومة لمخازن التبريد حتى نتمكن من شراء المحاصيل وحفظها، لكن لا حياة لمن تنادي”.
وفي زاخو أيضًا، يعاني أصحاب العلاوي من تذبذب غير منطقي في الأسعار، ما يؤدي إلى “لعبة قمار” حقيقية، كما يصفها علي كمال، أحد التجار.
ويشير المهندس الزراعي فاضل مصطفى، مدير زراعة عقرة، إلى غياب أي خطة مركزية لتنظيم الإنتاج، موضحًا أن أكثر من 2000 بيت بلاستيكي في القضاء تزرع كلها بالخيار، ما يؤدي إلى إنتاج أكثر من 20 ألف طن سنويًا، وهي كمية لا يمكن للسوق المحلي استيعابها. يقول مصطفى: “لا يعقل أن يزرع الجميع نفس المحصول في نفس الوقت. يجب على الحكومة أن تصدر تعليمات واضحة بتوزيع الإنتاج حسب الحاجة، وتحفز التنوع الزراعي، وتوجه الفلاحين للزراعة وفق خارطة سنوية محددة”.
ويضيف: “نحن بحاجة إلى تغيير جذري في السياسات الزراعية. يجب إنشاء معامل لتعليب الفائض وتحويل الطماطم إلى معجون، والعنب إلى عصير، والخوخ إلى مربى. لا يمكننا أن نبقى دولة تستهلك الفواكه المستوردة بينما فواكهنا تتعفن في الحقول”.
وحاول مزارعون من أربيل ودهوك تسويق محاصيلهم إلى مدن الجنوب، لكنهم اصطدموا بواقع مرير: غياب التنسيق بين المحافظات، وارتفاع كلف النقل، وغياب الضمانات. وبدلًا من أن تكون هناك وحدة اقتصادية زراعية وطنية، باتت كل محافظة تعمل بمعزل عن الأخرى، ما يدمر المنتجين جميعًا.
ولم يجد الكثير من المزارعين سوى وسائل التواصل الاجتماعي منبرًا لبث شكواهم. تنتشر مقاطع مصورة لمزارعين يجلسون وسط محاصيلهم، يشتكون بصوت مبحوح: “لا أحد يسمعنا.. لا مسؤول يزورنا.. نحن نزرع لنخسر، ولسنا أغنياء لنستمر بهذه الخسارات”.
وتحدث كريم سليمان، وكيل وزارة الزراعة في حكومة الإقليم، عن وجود “روزنامة زراعية” تنظم الاستيراد وتحمي المنتج المحلي، لكنها، وفق ما يرى المزارعون، ليست أكثر من حبر على ورق. عمليات الاستيراد، سواء المرخصة أو غير القانونية، تستمر بلا رادع، بينما يبقى الفلاح في مواجهة المصير نفسه كل عام.
المشكلة الأساسية ليست فقط في السوق أو الأسعار، بل في غياب الرؤية الحكومية لمستقبل الزراعة. فالإقليم الذي كان يوصف بأنه سلة غذاء العراق، بات عاجزًا عن تصريف إنتاجه، في حين تستورد الطماطم والخيار من إيران وتركيا بأسعار مرتفعة، تُحمّل على جيب المواطن، ويخسر بسببها المزارع المحلي.
وما يحتاجه إقليم كردستان اليوم ليس مؤتمرات زراعية فارغة، بل تحركًا عاجلًا لإعادة تنظيم الزراعة على أسس علمية، مع إنشاء مصانع تحويل، ومخازن تبريد، وربط الأسواق المحلية ببعضها عبر خطة تسويق وطنية موحدة.
