الهدى – متابعات ..
لم تعد ظاهرة قيادة الأطفال للمركبات في العراق حالات فردية، بل تحولت إلى مشهد مألوف في بعض الأحياء، ما يعكس خللاً مركبًا في بنية الرقابة الأسرية وضعف تطبيق القانون.
وهذه الممارسة لا تمثل مخالفة صريحة لقانون المرور فحسب، بل تشكل تهديدًا حقيقيًا لحياة الأطفال السائقين وحياة الآخرين على حد سواء.
تضارب الآراء الاجتماعية وخطورة الانتهاك القانوني
اجتماعيًا، تنقسم آراء الأهالي حول هذه الظاهرة. فمنهم من يرى فيها فرصة لتعليم الأبناء المسؤولية مبكرًا، بينما يرفض البعض الآخر تمامًا المجازفة بأرواح الصغار.
وهذا الانقسام يسلط الضوء على أزمة وعي وغياب الثقافة القانونية، حيث يتم اختزال التربية أحيانًا في مظاهر غير محسوبة العواقب. قانونيًا، تؤكد القوانين العراقية بوضوح على عدم السماح بقيادة المركبات لمن هم دون السن القانونية (18 عامًا)، وتحمّل ولي الأمر مسؤولية ما يترتب على مثل هذه المخالفات.
تجارب آباء متباينة: بين “اكتساب الخبرة” و”الالتزام بالقانون”
ورغم التحذيرات القانونية والمخاوف المجتمعية، يرى بعض أولياء الأمور أن السماح لأبنائهم بقيادة السيارات في سن مبكرة قد يكون وسيلة لاكتساب الخبرة والثقة.
ويقول أحمد سمير، أحد الآباء الذين سمحوا لابنهم بخوض هذه التجربة، في حديثه له: “سمحنا لابننا بالقيادة بدافع التعلم وكسر حاجز الخوف.
نعتقد أن من يبدأ مبكرًا سيكتسب الجرأة والخبرة اللازمة عندما يبلغ السن القانونية، بدلًا من أن يبدأ من الصفر”.
ويضيف سمير أنهم كانوا يراقبون ابنهم في البداية، ومع مرور الوقت سمحوا له بالقيادة منفردًا في مناطق قريبة، معتبرين ذلك “تجربة تدريبية مبكرة، وليست ثقة عمياء”.
وعند سؤاله عن احتمال الندم في حال وقوع حادث، قال بصراحة: “لا أستطيع أن أصفه بالندم، لكنه شعور نفسي مؤلم يصاحبه لوم داخلي دائم”.
في المقابل، يرفض إبراهيم محمود، أحد أولياء الأمور، بشكل قاطع فكرة السماح لأطفاله بالقيادة، معتبرًا ذلك مخاطرة غير مبررة وتجاوزًا خطيرًا للقانون.
ويقول في حديثه له: “القيادة مسؤولية كبيرة، وليست مجرد تجربة. نحن الكبار نقع أحيانًا في الحوادث رغم خبرتنا، فكيف بالأطفال الذين يفتقرون إلى الحكمة وسرعة البديهة؟”.
ويؤكد محمود حرصه على تربية ابنه على احترام القانون منذ الصغر، مشيرًا إلى أنه يواجه أحيانًا ضغوطًا اجتماعية بسبب قراره. وبشأن تعامله مع رغبة ابنه في تعلم القيادة، يوضح: “نقوم بتعليمه نظريًا، ونأخذه معنا إلى ساحات التدريب. ووعدناه بأنه عندما يبلغ السن القانونية، سندعمه بكل الطرق الممكنة، ونساعده على الحصول على رخصة قيادة رسمية”.
تداعيات تربوية ونفسية.. ومدارس تواجه الظاهرة
من الجانب التربوي، يؤكد مدير مدرسة ثانوية، أنور مراد، أن ظاهرة قيادة الأطفال لا تتوقف عند البيوت والشوارع، بل تمتد أحيانًا إلى داخل أسوار المدارس.
ويقول في حديثه له: “رصدنا بالفعل بعض الحالات التي يقود فيها الطلبة مركباتهم إلى المدرسة، وقد أصدرنا تعليمات إدارية صريحة تمنع ذلك بشكل كامل، حرصًا على سلامة الطلبة والكوادر”.
ويوضح مراد أن المدرسة تتعامل مع الحالات بداية من منطلق توجيهي وتربوي بإبلاغ المرشد التربوي والتوعية بمخاطر السلوك، وفي حال تطلب الأمر، يتم التواصل مع ولي الأمر.
ويشير مراد إلى وجود فراغ في المناهج الدراسية فيما يتعلق بالتوعية المرورية، مؤكدًا على أهمية إدراج مفاهيم السلامة المرورية والمسؤولية القانونية، خصوصًا ضمن مواد مثل كتاب (الوطنية).
ويختتم بالقول إنه لا يوجد حاليًا تنسيق رسمي مع الجهات المعنية خارج المدرسة، لكنهم يبذلون جهودًا فردية لتنظيم محاضرات توعوية للطلبة حول مخاطر القيادة المبكرة وأهمية الالتزام بالقانون.
من الجانب النفسي والاجتماعي، تشير الأخصائية النفسية بتول عمران، إلى أن دوافع الأهل للسماح لأطفالهم بالقيادة قد تختلف بين الرغبة في تطوير مهارات الطفل، أو مجاراة الضغوط الاجتماعية.
وتوضح عمران، أن “بعض الأهل يرغبون في تأهيل أطفالهم لاكتساب مهارات تعزز استقلاليتهم، بينما يشعر آخرون بضغط اجتماعي إذا لاحظوا أن أقران أطفالهم يقودون، فيرغبون بمجاراة هذا السلوك. كما أن البعض يرى في القيادة المبكرة وسيلة لغرس الشعور بالمسؤولية والثقة بالنفس”.
لكن عمران تحذر من أن لهذه التجربة جانبًا آخر قد يؤثر سلبًا على الطفل، موضحة بقولها: “قد يكتسب الطفل وعيًا مبكرًا بالمسؤولية، لكن في المقابل، قد يشعر بحرية مفرطة تدفعه إلى التمرد أو السلوك الاندفاعي.
وفي حال وقوع حادث أو تدخل السلطات، قد يعاني من القلق، أو الشعور بالذنب، أو تراجع في الثقة بالنفس، فضلًا عن تغير نظرته للسلطة والقانون، ما ينعكس على سلوكه مستقبلًا”.
مديرية المرور تؤكد: مخالفة صريحة والقانون يحمّل ولي الأمر المسؤولية
من الناحية القانونية، يوضح العقيد حيدر شاكر، من إعلام مديرية المرور العامة، أن قيادة الأطفال للمركبات تُعد مخالفة واضحة.
ويقول: إن “هذه الممارسة مخالفة صريحة للقانون، ويُحال الحدث المخالف وولي أمره إلى المحكمة وفق قانون العقوبات العراقي”. ويتابع: “القانون يحمّل ولي الأمر المسؤولية القانونية، والعقوبات تختلف بين الغرامة أو الحبس حسب ما ينص عليه قانون العقوبات العام”.
وأضاف شاكر أنه “رغم انتشار هذه الظاهرة في معظم المدن، إلا أنها تُسجَّل بشكل أكبر في المناطق الشعبية، ونحن مستمرون في ملاحقة المخالفات عبر مفارزنا المنتشرة”.
ويؤكد شاكر أن قانون المرور العراقي رقم 8 لسنة 2019 واضح في هذا الشأن، وينص على أن “السن القانونية لقيادة الدراجة النارية هو 16 عامًا، أما المركبات فلا يُسمح بقيادتها إلا لمن بلغ 18 عامًا”.
