إضاءات تدبریة

التَّوبَة.. بابُ أملٍ وَطريقُ إصلاحٍ (7) التوبة من إتّباع القيادة المزيفة

لماذا يكفر المرء بكتاب ربه وبرسوله؟!

واذا كان البعض يدفعه في ذلك عبادة الهوى ورعاية مصالح الدنيا، كما ورد في سورة القصص، الآيات: 50 \61، فهل كل الناس تأسرهم مصالحهم؟ و كيف بمن لايملك المصالح المادية (الفقراء) ممن يكفرون بالرسالات أيضا؟!

الجواب يتبين في الآيات اللاحقة من ذات السورة، حيث يصور لنا الله –سبحانه- مشهدا من القيامة، إذ يقف المشركون مع آلهتهم المزيفة للحساب (سورة القصص62ـ\88):

إنهم كانوا يتبعون مترفيهم، ويتخذونهم آلهة يُشركون بهم ربهم، أو ليسوا يسمعونهم دون تفكّر، ويخضعون لهم بما لم ينزل الله لهم سلطانا؟!

ونستوحي من سياق تلك الآيات حول الشرك والقيادة الشرعية التي يختارها الرب؛ أن إتباع الرسول و خلفائه، تطبيقٌ عمليٌ لعقيدة التوحيد في الحياة، وهي تكرس -إجمالا- شرعية قيادة الرُسل، و زيف القيادات الجاهلية.

وإذ ينقل القرآن هذا المشهد من يوم القيامة، فلكي يستثير وجدان الإنسان وتحذيره من مغبة اتباع الآلهة المزيفة من الطغاة والقوى الاجتماعية المختلفة. {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ}

إن القيادة المنتخبة من قبل الله ميزان في الدنيا بين الحق والباطل، وميزان في الآخرة بين الجنة والنار، ولذلك يُسأل الناس عنها يوم القيامة، إذ تجري محاكمة المشركين الذين أطاعوا كبراءهم ومترفيهم من دون أن يأذن الله لهم في ذلك، ويسألون عن موقفهم من الرسل وخلفائهم الشرعيين الذين هم القيادة الحق لهم.

نعم لو ضلّ الإنسان لفترة من الزمن عن اتباع القيادة الرسالية، أو عن الانتماء إلى صفوف الجماعة الرسالية، لكنه تاب بعد ذلك، فإن الله يقبل توبته {فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ}. (سورة القصص، الآية:67).

وشرط قبول التوبة هو الرجوع عن الخطأ بمحو آثاره الباطنية من النفس عن طريق الإيمان بالرسالة، وآثاره الظاهرية من السلوك بالعمل الصالح، إذ لا يكفي أن تفتح مع الله صفحة جديدة، بل لا بد أن تملأها بعمل الصالحات.

العلم رسالة يجب أن تخدم هدف الإنسان في الحياة، أما إذا استغل العلم في سبيل مصالح خاصة فسوف، يصبح وبالا على المجتمع ووبالا على صاحبه، وسوف يفتضح هذا العالم أمام الناس والتأريخ

ويستخدم القرآن كلمة {فَعَسَى} التي يستفاد منها الإمكان ظاهراً، وليس التحقيق، حتى يتضح لنا عظم الذنب فلا نصاب بالغرور، أو الرجاء المفرط الذي لا تقل نتيجته سوءا عن القنوط التام من رحمة الله، كما إن وجود عقدة الذنب في نفس الإنسان لها جنبة ايجابية إذا كانت تدفعه للعمل والسعي الأكثر في سبيل الله، طمعا في مرضاته عزوجل.

فرصة التوبة لِخَوَنة العلم

العلم رسالة يجب أن تخدم هدف الإنسان في الحياة، أما إذا استغل العلم في سبيل مصالح خاصة فسوف، يصبح وبالا على المجتمع ووبالا على صاحبه، وسوف يفتضح هذا العالم أمام الناس والتأريخ، فيعتزله الناس ويصبح منبوذا ملعونا من الله تعالى والناس. يقول تعالى:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ}. (سورة البقرة، الآية: 158-159).

يذكرنا الله -تعالى- بالصفا والمروة، حين يسعى الحاج بينهما، ليتذكر زوجة النبي ابراهيم، عليه السلام، هاجر، عليها السلام، التي صبرت في الله، وكانت عاقبتها النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، بيد أن الأمة قد تتوانى وتخور عزيمتها، وهناك قد تتشبث ببعض الأفكار السلبية التي تبعدها عن الجدية في العمل، والتضحية في سبيل الله، وهذه الأفكار يبلورها طائفة من أنصاف علماء الدين الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، يكتمون عن الناس هدى الله -عزّ وجلّ-.

لقد شرّع الله تعالى السعي بين جبلي الصفا والمروة، تخليدا لذكرى هاجر، عليها السلام، و رمزا لسعي الإنسان في سبيل الله، بيد أن المشركين وضعوا حجرين على الصفا والمروة واختلقوا لهما قصة خرافية وأخذوا يعبدونهما ويسعون من أجلهما، وظن بنو إسرائيل -وتأثر بهذه الشبهة بعض المسلمين- أن الطواف بين الجبلين أصبح وهماً لمجرد أن الجاهليين وضعوا عليهما صنمين، فجاءت الآية تنفي هذا الاعتقاد، وترفع تحرج المسلمين من أنه شيء صنعه المشركون.

فقد كانت قصة الصفا والمروة، وهما من شعائر الله في الحج والعمرة، مثلا لما يستطيع أن يفعله العلم إذا استُخدم في سبيل إضلال الناس، حيث حولوه من شعيرة دينية إلى عمل محرّم!

وبعد هذه القصة وحتى اليوم نجد علماء سوء يكتمون الحقائق عن الناس، ولا يؤدون أمانة العلم العظيم؛ {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ}. الكتاب لم يأت لطائفة معينة، انما جاء للناس جميعا، والذين يكتمون تشريعاته المفصلة {الْبَيِّنَاتِ}، أو قيمه الموجزة {الْهُدَى} عن الناس الذين نزل الكتاب لهم فـ {أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ}.

شروط لتوبة علماء السوء

و أمام علماء السوء فرصة للعودة إلى رحمة الله، و رحمة الناس، وهي متمثلة في  قيامهم بثلاثة أعمال:

الأول: التوبة بالاعتراف بأخطائهم السابقة، والاستعداد لتصحيحها.

ثانياً: القيام فعلاً بتصحيح الأخطاء وإصلاحها.

ثالثاً: بيان كل الحقائق حتى التي تخالف مصالحهم، أو مصالح قومهم، يقول تعالى عن ذلك: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.

شرط قبول التوبة هو الرجوع عن الخطأ بمحو آثاره الباطنية من النفس عن طريق الإيمان بالرسالة، وآثاره الظاهرية من السلوك بالعمل الصالح

إن ضرر عالم السوء في المجتمع كبير، إذ إنه قد يسبب انحراف خلق كثير من الناس، ولذلك فإن توبة الله عليه دليل على أن الله تواب رحيم، وإلا فليس هيِّنا التوبة على مثل هذا الرجل الذي استغل سلاح العلم ضد الناس.

كما إن عودة رجل العلم الفاسد صعبة جدا، لأنه سوف يشهَّر أمام الناس بالسوء، وهو قد جاهد في سبيل أن يضفي على نفسه قداسة علمية، ولكنه لو مات هكذا غير تائب فانه سيموت كافرا، وجزاؤه عند الله أسوأ؛ {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ*خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ}.

فهؤلاء لا يعتنى بهم الله أبدا، بل يهانون أشد الإهانة بعدم النظر إليهم أبدا. ذلك لأن هؤلاء حرّفوا الدين في الدنيا طلبا للجاه والرئاسة والعزة أمام الناس، ولم يبادروا بالعودة الى رحمة الله تعالى عبر فرصة التوبة التي منحها لهم، فيجازيهم بالذل والصَغار يوم القيامة.

___________

بصائر مقتبسة من موسوعة “مِن هُدى القرآن” لسماحة المرجع المُدرِّسي (دام ظله).

عن المؤلف

إعداد: نعمان التميمي

اترك تعليقا