أسوة حسنة

عاشوراء والتوازن بين العقل والعاطفة

الأحاديث النبوية الشريفة، كلها غاية في الادب الإلهي، وتجسيد العظمة في الفكر والبصائر والأخلاق والايمان، وبين هذا وذاك ثمة احاديث قدسية صدرت عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، تدفع المهتم بها الى التمعّن والتعمّق أكثر فأكثر، ليصل بمستواه وبصيرته الى العمق الايماني المطلوب الذي ينشده النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله.

ومن تلكم الاحاديث قوله: صلى الله عليه وآله: “إن الحسين مصباح هدىً وسفينة نجاة”، وقد وصف هذا الحديث بانه مكتوب على يمين العرش، في إشارة الى عظمة وقدسية هذا الحديث المبارك.

إن تدبرنا وتعمقنا بهذا الحديث الشريف يعكس مدى اهتمامنا وتعظيمنا لمكانة الامام الحسين، عليه السلام، ومن ثمّ معرفة شخصيته الحقيقية بما ينير لنا درب النجاة من ملمّات الزمن.

فماذا يعني قول رسول الله بأن سبطه الشهيد، مصباح هدى وسفينة نجاة؟

النهضة الحسينية تجمع بين العقل والعاطفة

معروفٌ أن الانسان مركب من بعدين أساسيين لا غنى لأحدهما عن الآخر مطلقاً؛ العقل والعاطفة.

المصباح هو الذي يشع بالنور، والهدى هو الطريق المستقيم الذي يمثل الهدف النهائي للإنسان، وإننا كأمة مسلمة بعيدون عن الامام الحسين، فنحن نعيش معه في عواطفه ومأساته فقط

البعد الأول (العاطفة) يحتل موقعاً من الانسان أشبه ما يكون بموقع الوقود من السيارة، فمن الصعب جداً تصور الحركة والحيوية في الانسان الذي تنعدم فيه العواطف التي تمثل الدافع لأي عمل يقوم به الانسان في حياته، وهذا ما نجده في مشاعر الزوج والزوجة اتجاه الآخر، ومشاعرهما اتجاه الأبناء، وايضاً؛ مشاعر افراد المجتمع إزاء بعضهم البعض وهم يحكّمون قيم الأخلاق والإنسانية.

أما البعد الثاني(العقل) فهو البوصلة والهدى الذي أراد الامام الحسين بتضحياته العظيمة، أن يكشفه لنا بنور نهضته الإصلاحية المدوية.

وهنا ثمة التفاتة هامة؛ أن المصباح هو الذي يشع بالنور، والهدى هو الطريق المستقيم الذي يمثل الهدف النهائي للإنسان، وإننا كأمة مسلمة بعيدون عن الامام الحسين، عليه السلام، من هذه الناحية، فنحن نعيش مع سيد الشهداء في عواطفه ومأساته فقط للأسف الشديد!

إن تاريخ النهضة الحسينية يؤكد لنا الحالة المعرفية لأصحاب الامام الحسين الخُلّص ممن بقوا معه حتى يوم عاشوراء، فهم لم يبقوا معه حبّاً له بالمعنى العاطفي السطحي، رغم أنه أحلّ بيعتهم ليلة عاشوراء، أي قبل حلول ظهيرة يوم عاشوراء، وطلب منهم التفرّق والابتعاد عنه لأن “القوم لا يطلبون سواي”، إنما كانوا مؤمنين بقضيته وحركته الإصلاحية، ويعلمون علم اليقين أنهم سيقتلون في معركة غير متكافئة مع جيش جرار ومجهز، فلا أمل لهم بالنصر، فأبوا إلا الموت دونه، وهذا الإدراك لهذه الحقيقة الكبرى هو الذي أعطاهم الوسام العظيم من سيد الشهداء بأن “لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي”.

حينما تدمع عين الانسان المؤمن ويخشع قلبه يوفر أرضية خصبة لاستلهام المعاني الحيّة لتعاليم الدين وقيمه الحضارية

الدموع تقوم السلوك وتصنع الشخصية الصالحة

مع ما مرّ، فان العاطفة وحرارة النفس والقلب لها دور المحرك والموجه للعقل ومساراته وخياراته في الحياة، فحينما تدمع عين الانسان المؤمن ويخشع قلبه يوفر أرضية خصبة لاستلهام المعاني الحيّة لتعاليم الدين وقيمه الحضارية، ويكون مثله مثل الأرض الصالحة التي تستفيد من غيث السماء، فتهتزّ وتربو، بخلاف الأرض الصلدة والسبخة التي لا تنمو، ولو هطلت عليها السماء اياماً.

سُئل رسول الله؛ “اين الله؟! فقال: عند المنكسرة قلوبهم”.

وهذا ما يؤكد لنا حقيقة تغيّر الكثير من الشباب خلال مشاركتهم في مختلف اشكال الشعائر الحسينية لإحياء ذكرى الامام الحسين، عليه السلام، بسبب هيجان العاطفة في نفسه وقلبه اتجاه مصاب الامام واهل بيته، وهو ما يجعل نفسه مهيأة لنداء التغيير والإصلاح نحو الأحسن في سلوكه وفكره وثقافته.

إن مجرد استذكار تضحيات الامام الحسين، عليه السلام، بتلك المشاهد المؤلمة، مثل مقتل الرضيع، وتقديم أبنه على الأكبر، كأول مقاتل من اهل بيته، وما حصل للعباس، عليه السلام، وايضاً؛ بقاء الامام لوحده في ساحة المعركة ينادي “ألا من ناصر ينصرنا”؟! ثم ما جرى على أهل بيته وعياله من بعده، وحالة العطش، كلها مشاهد توقظ في روح المؤمنين، وتحديداً الشباب، بشلك إرادي ولا إرادي، مشاعر التقصير والتخلف عن مسيرة هذه النهضة المباركة، فيضعون انفسهم وشخصيتهم وما هم عليه من السلوك والطباع والاعمال والافكار مع تلكم المشاهد التي كلها تضحية من اجل القيم الاخلاقية والدينية والانسانية، فلا يسعهم سوى الانفجار بالبكاء واللطم والقيام بكل عمل يرون فيه إحياءً لهذه النهضة، ومواساة لمصاب أهل بيت رسول الله.

وطالما شهدت الشعائر الحسينية تحولات كبيرة في نفوس العديد من الناس، وتوبة للعديد من المنغمسين في المعاصي والذنوب، والتحول الى الإيمان والأخلاق وخدمة المجتمع، من خلال العاطفة الصادقة والنية الخالصة للتحول والتغيير والإصلاح ليجسدوا أهداف الامام الحسين من نهضته وتضحياته في يوم عاشوراء.

*مقتبس من كتاب: الامام الحسين قدوة الصديقين- المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا