في كل عام، وفي مثل هذه الأيام، يعيش المسلمون الشيعة أيام شهر محرم الحرام، والتي يستذكرون فيها ماجرى على آل بيت رسول الله، صلى الله عليهم وسلم، فيذهبون الى المجالس ويؤدون بعض الشعائر التي يعتقدون ان فيها نوع من التعبير عن الحزن والمواسات لرسول الله وعترته الطاهرة.
الخوف والهلع من الأزمات والمشكلات والقلق من المستقبل تجعل الانسان كتلة من الطاقة السلبية، فنلاحظ في أيام عاشوراء تتحول طاقات الناس الى طاقة إيجابية
كما ان في عاشوراء تجديد سنوي للمولاة، وتجديد العهد لقضية عاشوراء الخالدة، فماهي أبرز انعكاسات عاشوراء الحسين، عليه السلام، على النفس البشرية؟
الجميل ان الغالبية من الناس، لاسيما الذين يقطنون في الاماكن ذات الطابع الشيعي، او الغالبية الشيعية؛ انهم يعيشون اجواء شهر محرم على اختلاف مستويات التزامهم الديني، فهم يعتقدون انها جزء من موروثهم الديني والاجتماعي، فيمارسون الشعائر على هذا الاساس، و رغم كون العقل الجمعي هو من يسير الكثير منهم، إلا أن لذلك الكثير من الايجابيات على انفسهم.
في عاشوراء محطة انسانية وفرص عظيمة للعودة الى الذات الانسانية التي بدأت الكثير من ملامحها تتشوه، ويغيب بذلك الكثير من صور الانسانية جزئياتها التي تبقي حاملها انساناً متزناً، و ذو مستوى عالٍ من الصحة النفسية، على عكس من تنتزع منه صحته النفسية فيميل الى التوتر والقلق والاكتئاب وغير ذلك الكثير من الانتكاسات السلبية للصحة النفسية.
ماهي العائدات النفسية الايجابية في عاشوراء؟
اول العائدات الايجابية في عاشوراء هي الطاقة الايجابية التي يحصل عليها الانسان، اذ ان الانسان يحتاج الى الطاقة الإيجابية لمواجهة صعوبات الحياة، فالخوف والهلع من الأزمات والمشكلات والقلق من المستقبل تجعل الانسان كتلة من الطاقة السلبية، فنلاحظ في أيام عاشوراء تتحول طاقات الناس الى طاقة إيجابية، ويتشكل التفاعل الوجداني مع الآخرين والتطلع إلى حياة مفعمة بالأمل والوجود.
تقول الدراسات النفسية؛ ان الفرد الذي لديه إيثار على نفسه يتمتع بأعلى مستويات الامان والسلام النفسيين
ومن العائدات الايجابية هي أن اغلب -إن لم يكن جميع- محبي اهل البيت عليهم السلام يميلون الى العطاء وخدمة الناس أكثر من سائر ايام السنة، فالجميع يخدم ويقدم الطعام والشراب والخدمات الأخرى، سواء للزائرين او لعامة الناس بكل ممنونية واحترام وتقدير، وما يأملونه هو نيل رضا الله، ثم اهل البيت، عليهم السلام، عنهم وعما يقدمونه، وحتماً انهم يشعرون بالرضا عن انفسهم، ومن ثمّ يوفرون لانفسهم مستوى جيد من الصحة النفسية.
ويتصف غالبية الموالين لآل بيت رسول بالايثار، لاسيما في ايام شهر محرم الحرام، حيث انهم يقدمون مصالح الناس على مصالحهم الخاصة، ويضحون براحتهم الجسمانية من اجل توفير أكبر قدر من الراحة لزائري الامام الحسين، عليه السلام، ومن كل بقاع المعمورة، فالدراسات النفسية تقول؛ ان الفرد الذي لديه إيثار على نفسه يتمتع بأعلى مستويات الامان والسلام النفسيين وهما يدفعانه لان يكون كذلك.
والمتتبع لغالبية محبي اهل البيت، عليهم السلام، يلحظ انهم في ايام عاشوراء اكثر صبراً وتحملاً وتفانياً في العمل، فرغم الظروف الجوية الصعبة، لاسيما في العراق من ارتفاع درجات الحرارة وغيرها، الا اننا نراهم يواصلون تقديم الخدمات للناس، وبلا فضل ولا منيّة، فأيّ قوة نفسية يمتلكها هؤلاء الناس ليصبروا كل هذا الصبر؟!
القضية الحسينية هي قضية تعاون ومشاركة وتكافل، وأن لا يكون الإنسان وحيدا في حياته وهو ما يمنحه شعوراً بالفخر والامان النفسي
كما ترى الكثير من المواليين يحرصون على اقامة او الحظور في المجالس الحسينية لانها بالنسبة اليهم تمثل خزائن المعرفة والثقافة، وهي التي تعطي لعاشوراء واقعاً يتعلم منه الناس معاني عاشوراء، ومعاني الفكر الحسيني، فلابد من إقامة المجالس الحسينية، والتركيز على التعاون الايجابي مع الآخرين، لأن القضية الحسينية هي قضية تعاون ومشاركة وتكافل، وأن لا يكون الإنسان وحيدا في حياته وهو ما يمنحه شعوراً بالفخر والامان النفسي على عكس لو انه يشعر بالعار والوحدة.
واخيراً يعمل محرم الحرام على دفع الكثير من الناس لتغيير سلوكهم ايجابياً، اذ يحرص الغالبية من الناس ان يبتعدوا عن الذنوب والمعاصي، و أكل الحرام والغيبة وسماع القول الفاحش وغيرها الكثير من السلوكيات التي ينهى عنها الاسلام الحنيف، وكل هذه العائدات الايجابية ستمنح الانسان راحة نفسية كبيرة وشعور بالسعادة والرضا عن النفس وهذا مكسب كبير وعظيم.
