بصائر

كيف نواجه تحديات الحضارية (4) الطاعة عن طريق الحبّ

جرى الحديث في الحلقة الماضية من البحث حول كيفية مواجهة التحديات الحضارية، حول مفهوم الطاعة، ولماذا الطاعة؟ وماهي؟ وما هي ابعادها؟

انها بصيرة أساسية، لو استوعبناها، استوعبنا الكثير من الحقائق والبصائر الأخرى، و أيضاً لو استوعبناها، نستطيع ان نتطور ونتكامل في حياتنا الدنيا، ونرجو درجات الآخرة.

وقبل ان أفيض في هذه المسالة الحساسة، أتلو عليكم حديثاً مهماً لأنه يربط بين الطاعة، وبين الادعاء بالإسلام والايمان، ويبين مجرد الادعاء بالايمان لا يكفي، فلابد من وجود طاعة شاملة ومرتبطة بمختلف أبعاد حياتنا.

فلا يكفي من أحدكم ان يدعي حب الله، وحب رسوله، ثم يكون عمله غير متناسب مع هذا الادعاء، و اذا ادعى حب الرسول وعمله لم يكن في مستوى الطاعة لرسول الله، فان هذا يوقعه في التناقض مع الحقيقة في حياته.

كان فيما ناجى الله نبيه موسى بن عمران: “يا بن عمران كذب من زعم انه يُحبني و اذا جنّه الليل نام عني، أليس كل مُحب يحب خلوة حبيبه؟ انا يا بن عمران مطلعٌ على احبائي، اذا جنّهم الليل حولت ابصارهم من قلوبهم، ومثّلت عقوبتي بين اعينهم، يخاطبونني عن المشاهدة، ويكلمونني عن الحضور، يا بن عمران: هبني من قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ومن عينك الدموع في ظلم الليل فانك تجدني قريباً”.

فوائد الطاعة:

اولاً: الحب المتبادل بين الله وعبده

بمعنى ان الله يحبك كما أنك تحبه، جاء في الآية الكريمة: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، ومن ثمّ يكون الحب بين المؤمن وبين أولياء الله، وهذا يجسد العلاقة بين حب المؤمن وبين طاعة الله، يقول الشاعر:

أمرّ على الديار ديارُ ليلى

أقبل ذا الجدارّ وذا الجدارا

وما حب الديارِ شغفن قلبي

ولكنّ حبّ من سكن الديارا

وهذا يعني أن من صفات الحبّ الانتشار في الأرجاء، فان حب الله وحب رسوله والأئمة المعصومين، والمؤمنين، ينتشر مثل النور، لذا نجد الشعراء يصفون الحب بالشمولية، فهو لا ينسب الحبّ للجدران والديار والأطلال، وإنما للذوات التي سكنت تلكم الديار، بمعنى أن كل تلك الجمادات اكتسبت الحبّ من أولئك الذين سكنوا الديار، او مروا من هناك، وهذا الحب لو وجد، يُعد كنزاً عظيما علينا المحافظة عليه.

ثانياً: السلوك المتبادل.

نحن البشر مثل الأحجار التي نراها مختلفة الاشكال والاثمان، فهي معادن، ربما تكون فيروزه، او عقيق، او دُر، وما الى ذلك، فهي بحاجة الى عمليات جلي مستمر، وبشكل ماهر حتى تتم بلورة الحجرة الثمينة لتظهر بشكلها الجميل.

نحن ايضاً؛ مثل تلك المعادن، وقد قال رسول الله: “الناس معادن، كمعادن الذهب والفضة”، وحول هذه المعادن الكثير من الاتربة والشوائب، لذا يجب ان يمر على مراحل جلي لاستخراج المعدن الحقيقي، وهكذا الانسان المؤمن.

من الأمور التي تجعل الانسان يغير عاداته ويكمل حقيقته؛ الحب، فحينما تحب النبي الأكرم، وتحب أمير المؤمنين، صلوات الله عليهم، نقرأ سيرة حياتهم، كذلك الحال بالنسبة لمن كانوا حول النبي والأئمة المعصومين، و بصورة شبه آلية يكون من السهل اتباعهم

نحن نقرأ عن أصحاب رسول الله في صدر الإسلام عندما كانوا في قمة العطاء، والايمان، والشجاعة، والتضحية، وهذه المنازل لم يصلوها بالهيّن، إنما تدرجوا في مراحل عديدة قبل الوصول الى هذه القمم، نحن نسمع ونقرأ عن حياتهم بعد وصولهم الى القمة، إنما المهم مطالعة سيرة حياتهم.

والسؤال هنا: ماذا عليّ فعله لاستخراج معدني الأصيل بعد إزالة كل الشوائب عنه؟

إنها ليست مهمة سهلة، لأن مجرد تغيير عادة بسيطة في حياتك تحتاج الى وقت طويل وجهد مستمر، فما بالك بعادات وآداب كثيرة، بيد أن المهمة تكون سهلة، و رحمة من الله –تعالى- من خلال الابواب التي جعلها الله لنا.

ومن الأمور التي تجعل الانسان يغير عاداته ويكمل حقيقته؛ الحب، فحينما تحب النبي الأكرم، وتحب أمير المؤمنين، صلوات الله عليهم، ثم تقرأ سيرة حياتهم، كذلك الحال بالنسبة لمن كانوا حول النبي والأئمة المعصومين، و بصورة شبه آلية يكون من السهل اتباعهم، ومما نقرأه من سيرة النبي الأكرم، أنه كان ذات مرة في عرفات لأداء مناسك الحج، وكانت المنطقة عبارة عن وادي واسع، بيد أن المسلمين جميعاً كانوا يتسورون حول النبي وناقته، ليكونوا قريباً منه، لذا دعاهم الى الانتشار في المنطقة.

من الجيد جداً، معرفة صفات وسلوك وافعال النبي الأكرم، والائمة الهداة، واتباعهم حتى نتعلم منهم، ونسترشد بهم.

ثالثاً: تسهيل عملية تطبيق الدين على الحياة

يعيش الانسان أبعاداً مختلفة في حياته، الأخلاقية منها، والاجتماعية، والاقتصادية، هذه الابعاد المختلفة من الصعب عليه ان يجمعها وينظمها على أساس الدين، لكن الطاعة تسهّل الامر من خلال الطاعة، فاذا تجد مؤمناً و آخر غير مؤمن، و تقارن بين الاثنين، تجد سلوك المؤمن وحياته وتفكيره يختلف جذرياً عن غير المؤمن، وجود هذا الاختلاف تمثل مشكلة، ولكن الطاعة لأولياء الله هي التي يسّرت حالة الايمان لدى المؤمن، ومن ثمّ، يمكن ان تنتظم حياة الانسان وفق القيم الايمانية.

من طباع الانسان، أنه لا يحب أن يتدخل أحد في حياته، بدءاً من الدين والنبي الأئمة المعصومين، وحتى العلماء والفقهاء، لذا نجد الناس يحترمون ويحبون العالم الذي لا شأن له بالناس

ولان الدين الإسلامي يرتبط بكل جوانب حياة الا نسان، لذلك يصبح الانسان متديناً، حتى كل هذه الابعاد تتكيف مع حياته، ومع الدين الذي تجسّد في اشخاص مثل؛ النبي الأكرم، و أهل بيته، صلوات الله عليهم.

وثمة مسألة أجد من الضروري تسليط الضوء عليها وهي؛ إن من طباع الانسان رفضه أي تدخل من الدين والنبي والإمام بتفاصيل حياته!

أحد الفلاسفة الفرنسيين يقول: “الفلاسفة السابقين عرفوا لنا الله حقيقة لا دخل له بالدنيا، و أورثونا الهاً ميتاً، ونحن دفناه”! وحسب تصورهم؛ “فان الاله الذي لا يرى ولا يسمع ما هي فائدته”!

وهذه من نزعات الانسان، بانه لا يحب أن يتدخل أحد في حياته، بمن فيهم العلماء والفقهاء، لذا نجد الناس يحترمون ويحبون العالم الذي لا شأن له بالناس، فيقولون: ان العالم الفلاني انسان محترم وعظيم لأنه “يروح بدربه ويرجع بدربه”، ولكن الحقيقة؛ ان هذا العالم بهذه الطريقة لن يفيد الناس، انما المهم تدخل العالم وتأثيره في حياة الناس بغية التغيير نحو الأحسن.

وقد وقع بعض الخطباء –للأسف- في مطب التأويل والعرض الخاطئ لسيرة الأئمة المعصومين والأولياء الصالحين، فانهم يتحدثون عن مماتهم ولا يتحدثون عن حياتهم وسيرتهم، و ربما هذا بسبب شحة ما كتبه التاريخ، بيد أن المطلوب البحث عن هذه السيرة وطريقة الحياة بتفاصيلها لنجسد هذه السيرة في حياتنا اليوم، فهي التي تلهم الأجيال العمل الصحيح.

* مقتبس من محاضرة لسماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا