فکر و تنمیة

الشباب ومشكلة الاستهلاك الكمالي

الاستهلاك له نوعان: النوع الأول؛ الاستهلاك المستحَق، والنوع الثاني؛ الاستهلاك الكمالي، الأول يُقصَد به ما يقتنيه الإنسان للسلع والأشياء التي يحتاجها بالفعل، ويديم بها حياته، ومن دونها لا يمكن للإنسان أن يواصل العيش بطريقة صحيحة، أما الاستهلاك الكمالي، فهو يعني اقتناء الإنسان لسلع وأشياء ليست ضرورية لإدامة الحياة.

أما الشباب فإن المشكلة التي يتعرضون لها أكثر من الفئات العمرية الأخرى، هي وقوعهم في فخ “التسوّق الكمالي”، الذي لا يحتاجه الإنسان كي يديم ويواصل حياته، من هذه السلع مثلا السيارات غالية الثمن، حيث يبالغ الإنسان في شراء هذا النوع من السيارات بمبالغ تصل عشرات الملايين من الدنانير، أو مئات الدولارات، لمجرد أن يتباهى أمام الناس بأنه اشترى سيارة حديثة بمواصفات محدّثة أو كاملة، وكأنه يقول للناس أنا أمتلك هذه السيارة الحديثة وأنتم غير قادرين على امتلاكها.

إنه يريد بهذا العمل أن يسد نقصا نفسيا يعاني منه، كما أنه يعاني من نقص تربوي واضح، فيكون ضحية لهذا النوع من الإغراء الاستهلاكي الكمالي، فينفق أمواله في هذا النوع من التسوق الشكلي والسطحي، وبدلا من أن ينفق هذه الأموال في تأسيس مشاريع صناعية أو تجارية تدرّ عليه أرباحا جيدة، تجده يبذّر أمواله في شراء سلع وحاجيات لا ضرورة لها إلا للتفاخر والتظاهر بأنه شاب غني وأن الشباب الآخرين لا يمكنهم مبارزته في هذا الجانب.

هذه المشكلة تتفاقم عند الشباب، وعند الفئات العمرية الأكبر يوما بعد آخر، والسبب يعود إلى شقّين، الأول قصور في التربية والتعليم، وتخلي الآباء والأمهات عن مسؤولياتهم في تربية أبنائهم، بالإضافة إلى تقصير الجهات والمنظمات ذات العلاقة بتوعية الشباب، فإذا قصّرت الأسرة في الجانب التربوي للأبناء، من المفترض أن تسد هذا التقصير منظمات ومؤسسات وجهات تربوية مختلفة من خلال محاضرات التوعية وما شابه.

كل ظن الشاب أنه عندما يركب سيارة حديثة سوف يهابه الآخرون، وسوف يُشار له بأنه من شخصيات المجتمع الناجحة

ولكن هذه الجهات ايضا لا تعبأ بهذا النوع من التربية وتترك الشباب يواجهون المد الثقافي الدخيل، فتبهرهم السلع الاستهلاكية، ويقعون في مستنقع التسوق الشكلي، وكل ظن الشاب أنه عندما يركب سيارة حديثة سوف يهابه الآخرون، وسوف يُشار له بأنه من شخصيات المجتمع الناجحة، لكن في الحقيقة نجاح الشاب، والإنسان عموماً لا علاقة له بالسلع الاستهلاكية غالية الثمن، ولا بالسيارات الفارهة ولا بكل المصنوعات التي يتم الترويج لها على أنها حاجات عصرية تضيف للشاب قيمة اجتماعية أكبر.

لكن في الحقيقة هذا الأمر غير صحيح، وهو واحد من الأوهام الكثيرة التي يقع الشباب تحت سطوة تأثيرها، والسبب -في الحقيقة- ليس الشاب، وإنما التقصير والاهمال غير المتعمَّد الذي تقع فيه الأسرة ويهمله الآباء والأمهات، فيتركون أبناءهم لهذا النوع من الجهل والنقص، ليس هذا فحسب وإنما يوفرون له اسباب ارتكاب هذا الخطأ الكبير من خلال إعطائه المبالغ المالية التي ينفقها على الاستهلاك الكمالي، فيتم ارتكاب الخطأ المركب من الآباء والأمهات، حيث يكون الخطأ الأول عدم تربية الأبناء بطريقة صحيحة، ويأتي الخطأ الآخر وهو إعطاء الابن الشاب الأموال التي يقتني بها السلع الكمالية غالية الثمن.

هل يسأل الآباء أبناءهم عمّا سيشترونه بهذه الأموال الضخمة؟، كلا، إنهم لا يبالون بمثل هذا الفعل، وحتى عندما يشاهدون هذه السلعة أو تلك بعد أن يقتنيها ابنهم، لا يسألونه ما هو هدفك من شرائها وهي غالية الثمن وكمالية ولا تحتاجها لا أن ولا العائلة، إنهم يستكثرون حتى السؤال على أبناءهم، وهذا خطأ آخر يلتحق بسلسلة الأخطاء التي ترتكبها معظم العوائل بحق أبنائها، لذا فإن المطلوب من الأسرة أن تقوم بدورها المهم والأساسي، وهو الدور التربوي الصحيح والمهم للأبناء، منذ نعومة أظفارهم، فمن “شبّ على شيء شاب عليه”، كما يقول المثل، وعندما يفتح الشاب عينيه على السلع الاستهلاكية الشكلية غالية الثمن، ولا يجد من يرشده إلى سبيل السواء، فإنه سيكبر وتنمو معه هذه التربية الخاطئة.

الصحيح هو وجود الإرشاد الدائم للأبناء، والتوعية المستمرة، والقيام بالمراقبة الدقيقة عن بعد، وتوجيه النصيحة اللازمة للشباب، وعدم السماح لهم بارتكاب أخطاء العصر، ونقصد بها “التسوق الكمالي الشكلي”، فهذه المشكلة فعلا هي مشكلة الشباب في هذا العصر، مما يتطلب أن تقدم الأسرة دورا تربويا توجيهيا حاسما يساعد الأبناء الشباب على تجنب السقوط في فخ التسوق الكمالي.

عن المؤلف

حسين علي حسين/ ماجستير إدارة أعمال

اترك تعليقا