الأخبار

ارتفاع الرسوم الحكومية في العراق؛ عبء على المواطن وغياب للخدمات

الهدى – متابعات ..

يواجه المواطنون العراقيون تحديًا متزايدًا يتمثل في فرض رسوم مالية مرتفعة على الخدمات الحكومية الأساسية، دون أن يقابل ذلك بتحسين ملموس في جودة الخدمات المقدمة.

وهذا الواقع يتناقض مع الدور المفترض للمؤسسات الحكومية، التي من المفترض أن تخفف الأعباء عن المواطنين وتوفر خدمات ضرورية بأسعار رمزية أو مجانية.

واقع مؤلم: رسوم باهظة وخدمات متدنية

وتتراوح الرسوم المفروضة على المعاملات الروتينية في الدوائر الحكومية بين 20  ألف دينار عراقي إلى أكثر من 100 ألف دينار، وقد تصل إلى مئات الآلاف في بعض الحالات.

وهذه المبالغ تُثقل كاهل المواطن الذي يجد نفسه مضطرًا لدفعها لإنجاز معاملاته. وتزداد المعاناة مع افتقار معظم الدوائر الحكومية لأبسط مقومات الراحة للمراجعين، مثل توفر المقاعد أو التبريد في ممرات الانتظار.

وتتسع هذه المشكلة لتشمل قطاعات حيوية مثل المستشفيات، حيث تُفرض مبالغ على إقامة المرضى ومرافقيهم دون توفير أدنى مستويات الراحة.

وفي دوائر المرور، تزيد كلفة إصدار إجازة السوق عن 100 ألف دينار، وتصل كلفة تجديد سنوية السيارة لأول مرة إلى 240 ألف دينار، بالإضافة إلى رسوم الطرق والجسور، دون أن يلمس المواطن أي تحسن في حالة الشوارع والطرقات.

وحتى فواتير الكهرباء تشمل رسومًا إضافية مثل 2000 دينار لأجور الطباعة، حتى لو لم تكن الوحدة السكنية مأهولة، في حين يعتمد المواطنون على المولدات الأهلية بشكل كبير لتعويض النقص في التيار الكهربائي الحكومي.

ويتساءل المواطنون والمراقبون باستمرار عن مصير هذه الرسوم المتزايدة ولماذا لا تُترجم إلى خدمات ملموسة، وهو سؤال لم يجد إجابة واقعية منذ سنوات.

التمييز بين الضرائب والرسوم: رؤية قانونية

ويؤكد خالد الجابري، عضو اللجنة العليا للإصلاح الضريبي، على ضرورة التمييز بين الضرائب والرسوم.

فالرسوم هي مبالغ تدفع مقابل خدمات تقدمها الدوائر الحكومية للمواطنين، وهي من صلاحيات الوزارات.

أما الضرائب، فتُفرض بقانون وليس بقرارات وزارية أو تعليمات، وتجبى من الدخل بشكل مستمر، بينما تُؤخذ الرسوم لمرة واحدة.

ويشير الجابري إلى أن مبالغ الرسوم تختلف من دائرة لأخرى، لكن العديد من الخدمات الحكومية لا ترقى إلى مستوى المبالغ المدفوعة.

أما الضرائب، فتذهب إلى الخزينة العامة، لكن التصرف بها لا يتم وفق دراسة جادة لتوزيع المبالغ بين المحافظات حسب حاجتها، مما يترك العديد من المدن العراقية تعاني من ضعف أو انعدام البنى التحتية الأساسية.

تعظيم الإيرادات على حساب المواطن

ويُعلق محمد الخفاجي، عضو اللجنة القانونية النيابية، بأن الرسوم التي تستوفيها المؤسسات الحكومية تستند إلى فقرة قانونية تتيح للدوائر الحكومية استيفاء الرسوم مقابل الخدمات، وتفوضها بزيادة الرسوم في حال تقديم خدمات إضافية.

ويضيف الخفاجي أن الحكومة تسعى لتعظيم الإيرادات من خلال تفويض المؤسسات استحداث خدمات جديدة.

وهذا التوجه فتح الباب واسعًا أمام المؤسسات للتعاقد مع شركات القطاع الخاص ومضاعفة الرسوم بشكل يرهق المواطنين، وفي المقابل لا توجد خدمات حقيقية تُقدم.

ويشدد الخفاجي على أنه لا يوجد سبب حقيقي للتعاقد مع شركات خاصة لإصدار جوازات السفر أو تسليم بيانات المواطنين لتلك الشركات، إلا من أجل رفع قيمة الرسوم.

توزيع غير مدروس ومخاوف اقتصادية

ويوضح النائب المستقل أمير المعموري أن كلًا من الضرائب والرسوم تُسلم إلى خزينة الدولة وفق خطة معدة، إلا أن الرسوم لا تتناسب مع الخدمات المقدمة، ولا يتم توزيع الأموال بطريقة مدروسة تلبي احتياجات المدن العراقية. ويشير المعموري إلى أن الشوارع الرئيسية والطرق الخارجية لم تشهد تحسنًا ملحوظًا، رغم استيفاء مبالغ من المواطنين تحت هذا العنوان.

كما يلفت المعموري إلى الزيادة الكبيرة الأخيرة في مبالغ الرسوم والضرائب، والتي لا تتناسب مع قيمة المواد المستوردة، مما تسبب بضرر كبير للتجار بسبب فرضها دون سابق إنذار.

وينوه إلى عدم سيطرة الحكومة على بعض المنافذ بشكل مطلوب، مما يزيد من عمليات التهريب مع ارتفاع التعرفة الجمركية.

ويشير المعموري إلى وجود تحركات في مجلس النواب لمناقشة قرار مجلس الوزراء الأخير المتعلق برفع الضرائب لإعادة النظر في تلك القرارات.

مقترحات لإصلاح النظام الضريبي وربطه بالخدمات

ويقترح المحلل الاقتصادي أحمد عبد ربه حلولًا لهذه المشكلة من خلال ربط الضرائب والرسوم بتحسين الخدمات. فبالرغم من جباية الحكومة لتريليونات الدنانير سنويًا من الضرائب والرسوم، يعاني المواطن من تدهور مستمر في الخدمات العامة، مما يضعف الثقة ويدفع البعض للامتناع عن السداد.

ولإصلاح النظام الضريبي وتحقيق العدالة، يقترح عبد ربه أن يكون استيفاء الرسوم والضرائب مقترنًا بتحسين الخدمات، وإلغاء أو تعديل قانون ضريبة الدخل رقم 113 لسنة 1982، الذي وصفه بالقديم وغير الملائم للتحولات الاقتصادية والاجتماعية في العراق.

ويشدد على ضرورة فرض ضرائب تصاعدية وعادلة تستثني محدودي الدخل وتستهدف الأنشطة التجارية والمالية الكبرى، بدلًا من إثقال كاهل الطبقات المتوسطة والفقيرة.

ويرفض عبد ربه الضرائب التي تُعطل الاقتصاد، مثل مضاعفة ضريبة العقارات التجارية إلى 100%، والتي تسببت في ركود السوق وارتفاع الأسعار.

كما يدعو إلى تأجيل فرض الضرائب الجديدة على صانعي المحتوى لحين تنظيم القطاع رقميًا ووضع معايير عادلة.

ويؤكد عبد ربه، أن الضرائب في العراق تقدر بـ12 تريليون دينار سنويًا، لكن ما يُجبى فعليًا لا يتجاوز 3 تريليونات فقط، مما يستدعي إصلاحًا جذريًا يربط الجباية بتحسين معيشة الناس ويضع حدًا للهدر والفساد. كما تستدعي نسبة الضرائب والرسوم الشفافية في تحصيل وإنفاق الأموال من خلال بيانات تُعلن دوريًا، فضلًا عن تحفيز الإنتاج المحلي قبل فرض الضرائب على المستوردات لتجنب ارتفاع الأسعار دون توفير بديل محلي.

معاناة المواطنين اليومية

ويصف المواطن خلدون حسن (47 عامًا) مراجعة الدوائر الحكومية بـ “المشكلة الكبيرة” بسبب ارتفاع الرسوم. ويشير إلى أن “أقل رسم سعره 10 آلاف دينار، وقد ارتفعت الرسوم مع ارتفاع السوق والدولار”، مضيفًا أن ترويج أي معاملة يتطلب مبلغًا لا يقل عن 100 ألف دينار.

أما حيدر عبيد من منطقة العامرية في بغداد، فيشكو من ارتفاع فواتير الكهرباء التي لا تتناسب مع ساعات التجهيز، كما يشير إلى أن المستشفيات تستوفي 5 آلاف دينار لدخول الزوار، بينما لا يجدون حتى مقعدًا للجلوس عليه.

ويختم عبيد قائلًا: “تشكل المفارقة بين الرسوم والخدمات أزمة كبيرة خاصة بالنسبة لمحدودي الدخل، خاصة بعد تخويل الدوائر استحداث وإضافة خدمات جديدة، وما تم هو ارتفاع الرسوم وغياب الخدمات”.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا