مكارم الأخلاق

الأخلاق الاجتماعية و ضرورتها في عصر التحديات

لله الحمد؛ معظم وصايا الإسلام بالاخلاق الاجتماعية جاءت في لسان نبينا الأكرم، صلى الله عليه وآله، في بدايات تشييد المجتمع الإسلامي، بما يؤكد الأهمية القصوى للتقارب والتعاون والتواصي والتضامن، وكل ما هو ضروري من مفردات الاخلاق الاجتماعية في بناء القواعد الأساس للأمة.

أحاديث رائعة تطرق باب النفس والضمير والمشاعر مثل: “إنما المؤمنون في تراحمهم وتعاطفهم بمنزلة الجسد الواحد، اذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى”، والحديث الآخر له، صلى الله عليه وآله: “من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم”.

ولدينا إرث ثقافي عظيم في مجال الأخلاق والآداب، منها ما نستفيده لبناء الشخصية الصالحة على الصعيد الفرد، بيد أن الأهم؛ هو بناء المجتمع والأمة الصالحة من خلال تحكيم القيم الأخلاقية المؤثرة، ليس في حياتها اليومية فقط، وإنما في مستقبلها ومصيرها، وهو ما نلاحظه اليوم من التحديات الخطيرة التي تواجهها، إذ لم يعد بوسع انسان مسلم اتخاذ موقف الحياد من المواجهة الحضارية المحتدمة بين الإسلام والغرب، على أكثر من صعيد.

الإصلاح ليس “تدخلاً في الشؤون الداخلية”

مما سنّه الساسة خلال القرن الماضي في العلاقات الدبلوماسية؛ الالتزام بما يُسمى “عدم التدخل في الشؤون الداخلية”، ظناً منهم أنهم بهذا يضمنون الأمن والاستقرار لشعوبهم، بيد أن المعيار الأخلاقي له رأي مختلف، فهو يوصي بالتقارب بين الشعوب المرتبطة ببعضها بين المشرق والمغرب؛ بالكتاب السماوي الواحد، والقبلة الواحدة، والنبي الأكرم، والعقيدة والاحكام الإسلامية المتقاربة الى حد كبير، وهو الارتباط السابق بقرون عديدة، التقسيمات السياسية المصطنعة حالياً، بما يعني أن المقولة المشار اليها لا تعنينا بشيء عندما يتعلق الأمر بأحوال المسلمين في أي مكان على هذه المعمورة.

ومن أهم موارد التقارب؛ الإصلاح المتقابل على قاعدة وصايا رسول الله المتعددة في هذا الموضوع منها: “من حق المؤمن على أخيه المؤمن النصيحة”، و “المؤمن مرآة أخيه المؤمن”، فالمؤمن سواء كان في المغرب العربي، أم كان في اندونيسيا، او في تركيا، او في افريقيا.

تجارب الإصلاح بين الشعوب لا تكون بالضرورة على شكل خطابات ومنشورات ونظريات، فإنسان اليوم يبحث عن نماذج عملية ناجحة، وتجارب تفيده في حياته

وللإصلاح اشكال وأساليب تختلف وتتطور وفق متغيرات الزمان، فشعب موغل في الاهتمام بالماديات في حياته، متغافلاً –عن غير قصد- عن الجانب المعنوي، ومن التقديرات أن تكون مناسبة إحياء ذكرى الامام الحسين، عليه السلام، في اربعينيته، أن يتسائل أحدهم؛ كيف يتسنّى لرجل فقير ومعدم لا يمتلك مالاً لبناء سقف بيته، ثم يأتي بالمال وينفقه لخدمة الزائرين على طريق المشاة الى مدينة كربلاء المقدسة؟!

تجارب الإصلاح بين الشعوب لا تكون بالضرورة على شكل نظريات وخطابات من متكلم الى مستمعين برجاء الاصغاء ثم التطبيق العملي، فهذا كان ربما في أزمان سابقة، فإنسان اليوم يبحث عن نماذج عملية ناجحة، وتجارب تفيده في حياته، ويطابقها مع ما لديه ليكتشف الصح من الخطأ.

وهكذا الحال فيما يتعلق بقضايا الإنتاج والاستهلاك في ميدان الاقتصاد، وايضاً؛ في ميدان الثقافة الواسع الابعاد، حيث السلوك، والأخلاق، والآداب، وحتى الفن والرياضة، والتعليم، لبعض الشعوب عادات وأنماط للتعامل مع هذه الأمور، ربما يكون فيها المفيد والمستحدث، يمكن تكرار تجربته إن امكن.

الانتصار لقضايا الشعوب المسلمة لا يكون بالضرورة عسكرياً، إنما بوسائل جديدة مثل؛ المال، والمساعدات العينية، والأهم؛ الموقف الجماهيري الموحد لخلق رأي عام

الانتصار

وهو لا يكون بالضرورة عسكرياً، كأن تتقدم جحافل الجنود مع معداتهم واسلحتهم لنصرة شعب مسلم آخر في مواجهته مع عدوه، او حتى بالتدخل المباشر لمساعدته للتخلص من حاكم يظلمه، إنما ثمة وسائل عديدة في الوقت الحاضر من شأنها المساعدة مثل؛ المال، والمساعدات العينية، والأهم؛ الموقف الجماهيري الموحد لخلق رأي عام أمام الحكومة والدولة القائمة، فهذا له تأثيره الإعلامي والنفسي، ومن ثمّ؛ السياسي، لاسيما في الدول التي تتبنى نوعاً ما “النمط الديمقراطي” في الحكم، فالنواب في البرلمان والوزراء في الحكومة، يفترض أن يكونوا موظفين جاء بهم الناس الى مكاتبهم عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات، ففي دولة ديمقراطية ليس من السهل تجاوز رأي جمهور واسع من الناس إزاء قضية في بلد إسلامي، مما يجبر الحكومة والمعنيين باتخاذ موقف سياسي حازم يساند الشعب المسلم والمضطهد في قضيته العادلة.

وهذا ما يعلمنا أمير المؤمنين في منهجه “فوق الديمقراطي” بأن ينتصر الانسان المسلم لأخيه المسلم، بل وايضاً؛ لغير المسلم الذي يعيش في البلاد الإسلامية، كما جاء في خطبة له، عليه السلام، في نهج البلاغة، عندما أعرب عن امتعاضه وتبرمه الشديد مما حصل للمرأة المسلمة والأخرى المعاهدة في منطقة الانبار على يد جُند معاوية، وقد تعرضتا للاعتداء والسلب والنهب “فما تمتنع إلا بالاسترجاع والنداء، فلو أن مؤمناً مات من دون هذا أسفاً ما كان عندي ملوماً، بل كان عندي باراً محسناً”.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا