يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: “اذا تمّ العقلُ نَقُص الكَلام”.
هل نتكلم أم نسكت؟
هل نكون مثل أولئك الذين يُعرفون في المجتمع بالصامتين؟ أم نكون خطباء يكثرون من الكلام؟
هل من الأفضل ان نتعلم الخطابة؟ أم نتعلم الصمت؟
و أيهما له قيمة حضارية بالنسبة للإنسان وللمجتمعات، الصمت أم الكلام؟
لاشك أن الكلام في الخير افضل من الصمت عنه، ومن هنا فان التقييم للصمت أو الكلام فانه بالنظر الى عامة الناس، او بعبارة أخرى، وبشكل عام: الصمت افضل أم الكلام؟
اذا اخذنا بنظر الاعتبار أن الكلام غريزة طبيعية في الانسان، بمعنى ان كل طفل يحاول التدرب على النطق، ولا يحتاج على مدارس خاصة لكيفية النطق، فمدرسة الحياة تكفيه، لذا فان البشرية تتوارث الكلام جيل عن جيل، وربما الانسان في تزيين كلامه بلاغة، و كلامه بحاجة الى مزيد من الجهد، لكن كلام الشارع والسوق لا يحتاج لتعلمه الى مدرسة، انما يحتاج الى استعمال إرادة.
ومن الطبيعي إن سُئلت ستجيب، او اذا شعرت بشيء ان تتكلم عنه، فاللسان يعبر عن إحساس الانسان عادة، ومن هنا فان الكلام غريزة طبيعية في الانسان، ولكن الصمت يحتاج الى إرادة، ومن هنا فان الصمت له قيمة حضارية لا الكلام.
نحن بحاجة لان نتعلم كيف نسكت، قبل ان نكون بحاجة لان نتعلم كيف نتكلم، فالسكوت فن يحتاج أن يتعلمه الانسان في مجالات عدة بالحياة
الصمت فن، وهو أهم من فن الكلام والخطابة، وكم من سر كشفه الانسان لانه لم يتعلم فن الصمت وفن السكوت، وكم من كلمة قالها انسان ثم تورط فيها ولو كان تعلم كيف يصمت عمّا لا يعنيه لما سقط في ورطته.
الصمت فن
نحن بحاجة لان نتعلم كيف نسكت، قبل ان نكون بحاجة لان نتعلم كيف نتكلم، فالسكوت فن يحتاج أن يتعلمه الانسان في مجالات عدة بالحياة.
ولو أردنا معرفة قيمة الصمت واهميته، علنيا معرفة آفات الكلام، فلو اخذنا بعين الاعتبار سلبيات التكلم والكلام، وسرعته، وكثرته لعرفنا قيمة الصمت الذي له إيجابيات ست، كما نشير الى بعض سلبيات الصمت:
الايجابية الأولى: في الكلام منزلقات
منها؛ الغيبة، و النميمة، والكذب، والدجل، ولكن كل هذا لا يوجد في الصمت.
ان الذنوب التي يرتكبها الانسان عبر الكلام اكثر من الذنوب التي يرتكبها عبر الصمت، بل لا وجود لذنب في صمت، إلا اذا كان الصمت إزاء الحق، و”الساكت عن الحق شيطان اخرس”، كما في الحديث الشريف، جاء رجل الى رسول الله، صلى الله عليه وآله، وقال له: اوصني، قال “عليك بالسكوت” وكررها عليه ثلاثاً، و يبدو ان الرجل كان يتوقع من النبي وصية أخرى، فالتلفت اليه النبي وقال له: “وهل يُكبّ الله الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد السنتهم”؟
الإيجابية الثانية: الحدّ من الفضول
يقول رسول الله، صلى الله عليه وآله: “طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه، و أنفق الفضل من ماله”، بمعنى ان من الأفضل ان يكون الانسان بخيلا في الكلام، وسخياً في المال.
بعض الافراد يدعي لنفسه الصراحة؛ “انا صريح! كل ما أراه خطأ امامي اتحدث عنه”، بلى؛ ولكن فيما يتعلق بالحق والباطل فقط، لا فيما لا يعنيك
وفي حديث له ايضاً؛ صلى الله عليه وآله، لاحد أصحابه: “ألا أعلمك بعمل خفيف على البدن ثقيل في الميزان، قال بلى: قال: هو؛ الصمت وحسن الخلق وترك ما لا يعنيك”، فالكلام بحاجة الى مؤونة لان اذا أراد الانسان التكلم فان ثلاثة عشر عضلة تتحرك في جمسه، بينما اذا صمت لا يحرك شيئاً.
بعض الافراد يدعي لنفسه الصراحة؛ “انا صريح! كل ما أراه خطأ امامي اتحدث عنه”، بلى؛ ولكن فيما يتعلق بالحق والباطل فقط، لا فيما لا يعنيك.
الإيجابية الثالثة: يمنع الانسان من الخوض في الباطل
حينما يدخل بعض الافراد الى نار جهنم يسألونهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ}
انسان مؤمن يعمل في سبيل الله وعليه بعض النقاط السلبية، ترى كلُ واحد يزيد عليه، و اذا ب”الحبة تصبح قبة”، هو خبر يتم نشره عبر وسائل الاعلام، ثم يتلاقفه الناس، بين من يزيد عليه، او يؤوله او يفسره، وفق مبدأ “حشر مع الناس عيد”! بينما الحقيقة؛ أن حشر مع الناس عزاء في حال الباطل.
يقول رسول الله، صلى الله عليه وآله: “أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضاً بالباطل”.
الإيجابية الرابعة: الصمت يدفع الانسان الى التفكر
لان كثيراً ما يكون كلام الفرد بديلا عن تفكيره، فاللسان لا يدع صاحبه يفكر او يتعقّل، وفي الحديث الشريف: “اذا وجدتم المؤمن الصموت فاقتربوا منه فانه يُلقى الحكمة”.
فكّر كثيراً وقل قليلاً، ولا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كل ما تعلم، ولا تقل ما لا يعنيك، بل لا تقل كل ما يعنيك.
وعن الامام الرضا، عليه السلام: “من علامات الفقه: العلم والحلم والصمت، و ان الصمت باباً من ابواب الحكمة”، لذا فان الناس لا يحبون المهذار، بينما ينجذبون الى الصامت، بل الناس يبحثون عمن يستمع اليهم، لا عمن يلقنهم الكلام دائماً.
الإيجابية الخامسة: الصمت يستر عيوب الانسان
اذا سكت من لا علم له، فانه يحافظ على قيمته و وزنه وهيبته، ولكن ما ان يرمي الكلام على عواهنه، فينكشف جهله، و يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: “المرء مخبوء تحت لسانه”.
إن الله اعطى للإنسان وسيلة واحدة للكلام، و اعطاه مجموعة من الوسائل للتعقل، منها: العينان ليرى، الاذنان للسمع، ومختلف الحواس هي وسائل للتعقل والتلقي، والاخذ من الحياة، ولكن البعض غلبوا هذه الوسيلة الواحدة على كل الوسائل الأخرى، فبدلاً من نظرة اعتبارية، وبدلاً من ان يسمع، يتكلم، و أغرب شيء؛ ان افضل المتكلمين هم افض الصامتين، حتى الأطفال؛ فالذين يركزون على شفاهكم وكيف تنطقون، سريعاً ما يتكلمون، بينما الطفل الذي ليست له هذه الملاحظة، ولا ينتبه الى الكبار امامه، فانه في الكبر يتلعثم في كلامه.
ولا يتصور احد ان من طرق تعلم الخطابة كثرة الكلام، كلا؛ انما يستمع جيداً ويتكلم بتعقل وتفكر.
الإيجابية السادسة: الصمت يمنعك من كشف اسرارك
السرّ، أغلى ما عند الانسان في الحياة، وإلا لما سُمي “سراً”.
يقول الامام الكاظم، عليه السلام: “كان الرجل من بني إسرائيل اذا أراد العبادة صمت قبل ذلك عشر سنين”، كانوا يتدربون على الصمت، بينما المهذار يكشف الاسرار وفي الاسرار دماء.
يقول الامام أمير المؤمنين، عليه السلام: “لا حافظ أحفظ من الصمت”، ولا تظن أنك اذا كشفت سراً لزميل لك ثم اكدت عليه عشرات المرات ألا يكشفه لأحد، فالأفضل ان تصمت خير لك من الطلب له بكتم السرّ.
يقول الامام الصادق، عليه السلام: “الصمت شعار المحققين بما سبق، وهو مفتاح كل راحة في الدنيا والاخرة، وفيه رضا الرب وتخفيف الحساب، والصون من الخطايا والزلل، وقد جعله الله ستراً على الجاهل وزيناً للعالم”، بمعنى أن الصمت ليس مفروضاً على الجاهل فقط، وانما على العالم الذي يدعي احياناً انه جديراً بالكلام.
السكوت المطلوب هو الذي يكون عن عقل وتفكّر، بان تسكت عن الباطل، اما اذا كان السكوت عن عجز أوعن آفة او عن جهل، فان الفرد هنا عليه ان يتعلم حتى يتكلم بالكلام المفيد
ومن وصايا داوود لابنه سليمان: “يا بني! عليك بطول الصمت بالخير، فان الندامة على طول الصمت مرة، خير من الندامة على الكلام مرات”.
ثمة ملاحظة هامة:
إن السكوت المطلوب هو الذي يكون عن عقل وتفكّر، بان تسكت عن الباطل، اما اذا كان السكوت عن عجز أوعن آفة او عن جهل، فان الفرد هنا عليه ان يتعلم حتى يتكلم بالكلام المفيد، فالصمت المطلوب صمتان: صمت عن الباطل بأي نوع من انواعه، وصمت عن تفكر وتعقل.
يقول امير المؤمنين، عليه السلام: “جُمع الخير كله في ثلاث خصال: النظر والسكوت والكلام، فكل نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، وكل سكوت ليس فيه فكر فهو غفلة، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، فطوبى لمن كان نظره عِبرا، وسكوته فكرا، وكلامه ذكرا، وبكى على خطيئته وأمِن الناس شره”.
وفي الختام؛ علينا ان نعرف حدود الكلام وحدود الصمت، ولكن مبدأياً الصمت فن، وهذا الفن علينا تعلمه، لان الحياة لا تعلمنا الصمت وأنما الكلام، ففي الطفولة لا يعملنا أحد كيف نصمت بل كيف نتلكم، فاذا كنا في الطفولة نتعلم كيف نتكلم علينا في الكبر انت نتعلم طول الصمت.
من هنا جاءت الحكمة البالغة لأمير المؤمنين، عليه السلام: “اذا تم العقل نقص الكلام”، بمعنى؛ ان تمام العقل بقلّة الكلام، وكلما كثُر الكلام فهو دليل نقصان العقل.
*(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).
