فکر و تنمیة

يرجو التوبةَ بطولِ الأملِ ولا يدري بقُربِ الأجلِ!

كثيراً ما نزور المقابر في المناسبات، وحتى في الأيام العادية، لنترحم على أناس قد رحلوا قبل سنين.

وكثيراً ما نرى المقابر قد حُرثت أرضها بقبور جديدة لم نعهدها سابقاً، وقافلة الموتى تسير دون توقف، فهنالك شاب مات غرقاً، وكبيراً في السن مات مرضاً، و آخر مات وهو يتمتع بالصحة والعافية.

هل تساءلنا يوماً، هل كل أولئك كانوا مستعدين للرحيل إلى دار الاخرة؟ وهل كانت مؤونتهم كافية؟

حقا تلك أسأله محيرة تحتاج إلى إجابة! العجيب أننا نسمع بعض الشباب يقولون: هنالك وقت إمامنا لنؤدي الواجبات ونبتعد عن المحرمات، والعمر أمامي طويل، أقضي ما فاتني، وأن باب التوبة مفتوح!

ولكن؛ هل الموت له اتفاق مع الانسان، أو له وقت ثابت؟ فيخطف الكهل دون الشاب؟

إنك لو وقفت في طابور لتشتري الخبز (الصمّون)، ستعرف دورك متى يكون، إلا ان الموت ليس هكذا، لكل شخص أجل مسمى، لم ولن يعرف متى و اين، فقد تكون في عزّ الشباب أو في شيخوخة العمر، سواءً كنت في أعالي الجبال، أو في أدنى الوديان، قال تعالى: {أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَة}، فما هي الضمانة لوصولك الى عتبة ذلك الباب أصلا حتى تتوب؟!

والسؤال هنا؛ ماذا دهى الجميع؟ وما سبب عدم الاعتبار من الموت؟ وما هذا التهاون معه؟

إن السبب؛ كان ولازال يكمن بطول الأمل الذي أثقل ظهور الكثيرين، و أورث في قلوبهم حب الدنيا، وكما جاء في الحديث الشريف: “حب الدنيا رأس كل خطيئة”،  فتشبثوا بالدنيا وحطامها، وهي بطبعها ذات ماء مالح، مهما شربت منه لا ترتوي، ومن ثم؛ كانت أولى عواقبه “الغفلة”، فلم يتعاملوا مع الموت إنه “ضيف يأتي دون إذن” فغرتهم الدنيا على حساب الاخرة.

نسمع بعض الشباب يقولون: هنالك وقت إمامنا لنؤدي الواجبات ونبتعد عن المحرمات، والعمر أمامي طويل، أقضي ما فاتني، وأن باب التوبة مفتوح!

ورد عن أمير المؤمنين، عليه السلام: “اَلْأَمَلُ يَخْدَعُ”، لذلك يزين لهم الدنيا وملذاتها، فيعيشون في واقع مزيف مليئ بالتمنيات، وكلما طال الأمل ابتعدوا اكثر عن الاعتبار، وركنوا إلى الانغماس بالماديات، وكلما زاد ذلك، قرب أجلك وابتعدت عن التوبة والرجوع إلى الله.

وعن رسول الله، صلى الله عليه وآله: “إن أشد ما أخاف عليكم خصلتان: اتباع الهوى، وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق، وأما طول الأمل فإنه الحب للدنيا”، ثم قال: “إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض، وإذا أحب عبدا أعطاه الإيمان، ألا إن للدين أبناء وللدنيا أبناء، فكونوا من أبناء الدين ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا إن الدنيا قد ارتحلت مولّية، ألا إن الآخرة قد أتت مُقبلة، ألا وإنكم في يوم عمل ليس فيه حساب، ألا وإنكم يوشك أن تكونوا في يوم حساب ليس فيه عمل”.

لذلك وجب علينا أن نبتعد عن طول الأمل، وان نعالج هذه الصفة من خلال الوصول إلى جذورها واقتلاعها، و أول جذر لها هو حب الدنيا والتعلق بها، لذلك جاء في الدعاء: “اللهم أخرج حب الدنيا من قلبي”.

و رسول الله، صلى الله عليه وآله: يدلنا على عدة أمور لنتخلص من طول الأمل، يقول: “إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من دنياك لآخرتك، ومن حياتك لموتك، ومن صحتك لسقمك، فإنك لا تدري ما اسمك غدا”.

 وقال، صلى الله عليه وآله، بعدما سمع أن أسامة اشترى وليدة بمائة دينار إلى شهر: “إن أسامة لطويل الأمل، والذي نفسي بيده، ما طرقت عيناي إلا ظننت أن شفري لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي، ولا رفعت طرفي فظننت أني واضعه حتى أقبض، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى أغص بها من الموت”.

وفي النهاية؛ باب التوبةِ مفتوحٌ، نعم؛ لمن ترك التشبث بالدنيا الزائلة، ولحق بالأولياء والصالحين، وكما قال أمير المؤمنين، عليه السلام:

لا دارَ للمرءِ بعد الموتِ يَسكُنها

إلا التي كان قبل الموت بانيها

فإنْ بناها بخيرٍ طابَ مسكُنها

و إن بناها بشرٍ خَاب بانيها

عن المؤلف

حسين علاء

اترك تعليقا