الاستعمار مفهوم معروف تاريخيا، تم تكريسه قبل قرون من قبل الدول الكبرى القوية، التي استخدمت قوّتها ضد الشعوب الأقل قدرة وقوة منها، من أجل إخضاعها، والسيطرة عليها، وعلى ثرواتها ومواردها الطبيعية والبشرية، ومن ثم الاستفادة منها كمواد أولية في صناعات مختلفة عسكرية سواها، واستخدام الموارد البشرية المستعمَرة في مضاعفة ثروات الدول الغنية القوية التي فرضت سيطرتها الاستعمارية على دول غنية بالمواد الأولية.
الأمثلة على هذا النوع من الاستعمار باعتماد القوة العسكرية معروفة، ويقدم لنا التاريخ نماذج كثيرة وكبيرة تؤكد أن أحد العصور التي مرت بها البشرية، يسمى عصر الاستعمار، وقد عانت فيه الدول الغنية الضعيفة معاناة هائلة، حيث تعرضت للعدوان والاحتلال والإذلال من قبل الدول الطامعة بثرواتها، ومع تقدم الوعي الجمعي البشري، وكثرة النداءات لنشر الحريات وحمايتها، ونشر الشفافية وحماية الحقوق، تخلصت الدول العظمى من ثوبها الاستعماري القديم حتى تخدع الدول الأخرى بأنها تراعي الديمقراطية وتحمي الحرية.
لقد أنتهت الدول الكبرى عصر الاستعمار بالقوة، بدعوى أنها راعية للديمقراطية والشفافية وحماية حقوق الناس، فكيف تقوم باستعمار الدول وتسرق مواردها الطبيعية، لذا ابتكر أدمغة الساسة في هذه الدول الكبرى أنواعا أخرى من الاستعمار وهي لا تقوم على استخدام القوة المادية العسكرية، وإنما صنعت أشكالا وأنواعا أخرى من الاستعمار و أخطرها؛ ما يُطلَق عليه بالاستعمار الثقافي، وهو بالفعل خال من وسائل القوة العسكرية، أو السيطرة بقوة السلاح، وإنما تتم السيطرة في هذا النوع من الاستعمار عبر نشر الثقافات الوافدة التي تسعى إلى تدمير الثقافة الأم وتهزمها، وتأخذ محلّها.
إذن؛ أصبحت البشرية، وخصوصا في المجتمعات الضعيفة في الفكر والإرادة، أمام نوع ثانٍ من الاستعمار، وهو الاستعمار الثقافي، لا توجد فيه أسلحة ولا استخدام بائن للسلاح المادي، وإنما هو استعمار من نوع آخر يقوم بغسيل الأدمغة، وتعبئتها بعقائد وأخلاقيات وثقافات بديلة، تقضي على العقائد أو تشوهها، وتحل محل الثقافة الوطنية أو الثقافة الأم، وبهذه الحالة تلغي هوية الانتماء للأمة عند الشباب بالدرجة الأولى، لأن السيطرة على الشباب، تعني السيطرة على المجتمع كله.
أصبحت البشرية، وخصوصا في المجتمعات الضعيفة في الفكر والإرادة، أمام نوع ثانٍ من الاستعمار، وهو الاستعمار الثقافي، لا توجد فيه أسلحة، إنما هو استعمار يقوم على غسيل الأدمغة
وهكذا أصبح شبابنا منذ عقود طويلة يواجهون خطر الاستعمار الثقافي الفكري، حيث يطرح المستعمرون، وخصوصا الغربيون هذا النوع من الاستعمار بطرق مختلفة، منها على سبيل المثال، طرح الأشكال المثيرة في الملبس، وإشاعة أفكار وأنماط ثقافية غريبة على المجتمع المسلم، كذلك نشر السلوكيات الخادشة للحياء، ومنها على سبيل المثال؛ شن حرب قوية ومتواصلة ضد الحجاب، والسخرية منه، وهذا الشيء يتناقض مع دعوتهم الديمقراطية والحريات، فكيف تمنع الحجاب، وفي نفس الوقت تقول بأنك مع الحرية الشخصية؟
هناك أيضا الأفلام السينمائية والتلفزيونية، حيث يروجون فيها أنواع من السلوكيات التي لا تليق بالمجتمع الإسلامي، ولا بالشاب المسلم، لكنهم في الحقيقة حققوا بعض النجاحات في هذا المجال، حيث تأثر العديد من الشباب بالشكل الغربي، وبالسلوك الغربي الوافد، وهناك من نظر إلى الثقافة الوافدة على أنها ثقافة “متحررة”، لكنها في الحقيقة ليست كذلك، إنما هي ثقافة خادعة للشباب، وتحاول أن تثير فيهم روح التمرد السلبي.
حتى ما يتم تقديمه للأطفال عبر أفلام الكارتون والقصص والشخصيات، هي محاولة واضحة لغسيل أدمغة الأطفال، لذلك تم التحذير من هذه الوسائل وحماية أطفالنا وشبابنا من هذا النوع الاستعماري المخادع، الذي يتسلل إلى العقول بأغطية مختلفة، بحجة نشر الوعي والثقافة المعاصرة بين الشباب والمراهقين، لكن واقع الحال يؤكد أن الغاية هي السيطرة على هذه العقول ومن ثم إلغاء الثقافة الأم، وتجريد الشباب من أصالتهم الدينية والوطنية.
هناك مقترحات قدمها علماء أجلاء، وأساتذة كرماء، ومفكرون أذكياء، لكي تتم مواجهة الاستعمار الثقافي، وعدم السماح له كي يكون بديلا للاستعمار العسكري، لأن غرض الغرب هو الهيمنة والسيطرة على بقية الشعوب والدول، حتى يبقى مقيّدا ومحكوما للغرب، هذه المقترحات هي:
- القيام بحملات توعية مستمرة، هدفها توضيح الأهداف التي تسعى إليها قوى غربية من خلال تمرير الثقافة البديلة.
- لا يجب أن تتوقف هذه الحملات، بحيث تستمر الجهات المعنية؛ منظمات، ومؤسسات، و وزارات، وسواها بفضح الاساليب الغربية في هذا المجال.
- التأكيد على أهمية الثقافة الأم، والحفاظ على التقاليد والعقائد وعدم المساس بها.
- التمسك من قبل الشباب وعموم المجتمع، بالأعراف الأصيلة، وطرد الدخيلة بعيدا خارج فضاء المجتمع النظيف.
تأثر العديد من الشباب بالشكل الغربي، وبالسلوك الغربي الوافد، وهناك من نظر إلى الثقافة الوافدة على أنها ثقافة “متحررة”، لكنها في الحقيقة ثقافة خادعة للشباب، وتحاول أن تثير فيهم روح التمرد السلبي
بهذه الطريقة وبشكل مستمر، وجهود مدروسة يتم التخطيط لها مسبقا، وبدقة، يمكن لنا أن ننجو من نشر الثقافات المضادة لنا، وإلحاق الهزيمة بها من قبل شبابنا ومجتمعنا بشكل عام.
