قد يكون وعي الفرد ناقصا وعلمه محدودا ولم يؤت فرصة للتوجيه الكافي، فيرتكب بجهالته -وليس بجهله ذنباً سرعان ما يتوب عنه فور ما يعود إلى رشده، ويملك الوعي والتوجيه، فيغفر الله له ما سبق، يقول تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. (سورة النحل، الآية:119).
والجهالة غير الجهل، فإن الجهل عذر شرعي في الموضوعات وفي بعض الأحكام، فلا يتناسب والتوبة التي وعدها الله لصاحب الجهالة، بينما الجهالة ليست بعذر شرعي، إذ يكفي أن صاحبها يعلم بصورة مجملة حدود الواجب الشرعي الذي عليه، و يمكنه أن يفتش عنه حتى يجده.
إن من نِعَم الله على الإنسان أنه يمنحه فرص العودة إليه، وهذه الفرص تعد بمنزلة نفحات رحمانية يتوجب عليه كمخلوق أن يتعرض لها. و الله -سبحانه وتعالى- قد كتب على نفسه بأن يتوب على عباده أذا ما قرروا الانابة اليه –سبحانه- والاقلاع عن ارتكاب المعاصي لاصلاح ما افسدته، {وإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاَيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَاَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. (سورة الانعام، الآية:54).
ففي أحايين معينة يتنور قلب الإنسان بنور الله العلي العظيم، حتى كأنه ثمة ومضة من النور الإلهي تنفذ الى أعماقه، فيتفتح القلب ولو للحظات.
فرصة الإصلاح قبل التوبة
إنها فرصة لا تُثمَّن قد أمر ربنا -سبحانه وتعالى- رسوله المصطفى، صلى الله عليه وآله وسلم، أن يبلغها الإنسان على الأرض عموماً، وإلى المؤمنين على وجه الخصوص، وهي أنه قد كتب على نفسه الرحمة، وهو دونما أي تأثير خارجي -والعياذ بالله جلّ جلاله- أراد الرحمة، فكان من أعظم أسمائه الحسنى اسما “الرحمن، الرحيم”، وكانت رحمته واسعة، رحمة سبقت كل الغضب، وكل ذنوب العباد. فتمثلت هذه الرحمة الإلهية بأنه من عمل سوءاً من المؤمنين ثم تاب توبةً ملِؤها الندم والعزم على الخير والصلاح، والإحساس بالحاجة إلى التطهر والنقاء، والعودة إلى الرب الغفور الرحيم، وإلى تلك الحالة المعنوية والفطرة السليمة، و إرادة عدم الاحتجاب عن المناجاة المباشرة مع الله تعالى، تاب الله عليه.
جاءت في آيات عديدة كلمة الإصلاح بعد التوبة للدلالة على أن التوبة الظاهرية لا تنفع شيئا، إنما ينبغي أن تكون التوبة نصوحا يتغير حال الفرد بها من سيئ إلى حسن، ومن فاسد إلى صالح
فالإنسان إذا ظلم الناس فقد أفسد حياته وضميره بادئ بدء؛ وإن من لا يحترم الآخرين لا يحترم نفسه، لأنه واحد منهم، ولا يمكن أن يتصور انفصاله عمن حوله بحالٍ من الأحوال، وإذا ما أراد أن يصلح، عليه أن يصلح ما بينه وبينهم، وذلك كأن يدفع بالظلامة عنهم، ويطلب البراءة منهم، وأن يحطم الحواجز النفسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية التي تفصل بينهما. إذن؛ فالتوبة لا تتحقق لها مصداقية تُذكر ما لم تتبعها خطوات إصلاحية، تستحق بموجبها الرحمة التي كتبها الله على نفسه، فيأخذ بيده الى ممارسة المزيد من أعمال الخير والصلاح، وإذ ذاك يتم التوافق والانسجام بين عمل الإنسان وسيرته، وبين ما يريده الله -سبحانه وتعالى- من الإنسان وما يحبذه له.
وقد جاءت في آيات عديدة كلمة الإصلاح بعد التوبة للدلالة على أن التوبة الظاهرية لا تنفع شيئا، إنما ينبغي أن تكون التوبة نصوحا يتغير حال الفرد بها من سيئ إلى حسن، ومن فاسد إلى صالح.
فلِقبول التوبة على الانسان أن يصلح ما أفسده بذنوبه وسيئاته، وقد يقترن ذلك بتلقيه عقوبات صارمة ايضا في بعض الحالات، مثل ارتكابه جرم قذف المحصنات بالفاحشة.
بين الحدّ والتوبة.. تهمة الزِّنا نموذجاً
لكي يحافظ الإسلام على الأسرة َ حصَّنها بسور منيع من الأنظمة والتعليمات، ومن أهمها تحريم الفاحشة والقذف، فبقدر ما يؤكد القرآن الحكيم على حرمة الزنا، فهو يؤكد على حرمة الاتهام به، إذ يطالب بإثباتات صارمة وكافية، لأن الاتهام ذاته قد يكون وسيلة لإشاعة الفاحشة، والمجتمع الذي تسقط فيه قيمة الشرف العائلي يسهل عليه الهبوط إلى حضيض الفواحش.
ولذا يفرض الاسلام عقوبة صارمة على من يرمي الأبرياء والمحصنات البريئات بتهمة الزنا دون أن يأتي بأربعة شهداء عدول على ذلك، ممن شهدوا الحادثة بأم أعينهم.
يقول تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }. (سورة النور، الآية: 4\5)
وهل تقع عملية الزنا علانية حتى يتمكن هذا العدد من الشهادة عليها؟!
عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق، عليه السلام: “لَا يُرْجَمُ الرَّجُلُ وَ الْمَرْأَةُ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمَا أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ عَلَى الْجِمَاعِ وَ الْإِيلَاجِ وَ الْإِدْخَالِ كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ”. (1)
وهذا لا يقع إلا في حالات نادرة جداً، مما يدل على أن هذه العقوبة الشديدة سوف تختص واقعيا بالذين يستهترون الحدود الشرعية، وبآداب العرف العام.
شدد الإسلام على عقوبة الزنا من جهة، وعلى الشهادة عليه من جهة أخرى، وكلا الأمرين يهدفان إلى صيانة الأسرة، والمحافظة على عفّة وشرف المجتمع
وهذا الحزم في مسألة الشهادة على الزنا، انما هو للمحافظة على الحياة الأسرية في المجتمع من التفتت، والانهيار، إذ إنه من الجرائم التي يمكن الاتهام بها سريعا، وهي تدغدغ غرائز الناس، خصوصا المعقّدين جنسيا، لذلك شدد الإسلام على العقوبة من جهة، وعلى الشهادة من جهة أخرى، وكلا الأمرين يهدفان إلى صيانة الأسرة، والمحافظة على عفّة وشرف المجتمع، الذي جاءت الأديان السماوية لإصلاحه وإحكام بنائه.
كيف يتوب شهود الزور؟
وبمناسبة الحديث عن القذف، ولأنه جريمة تشتهر في المجتمعات الجاهلية، ويستهين بأبعادها الناس، فقد ذكر القرآن التوبة، وبين أن باب التوبة مفتوح أمام الناس، ولإن جرم الاتهام بالزنا جريمة تشتهر في المجتمعات الجاهلية، ويستهين بأبعادها، أراد الله –تعالى- أن يدخله في منظومة العقوبات، كي يصلحوا ما أفسدوه، لأن الله -سبحانه وتعالى- وهو خالق الإنسان، يعلم بما أودعه في هذا الكائن من شحنات غريزية تبرر الزلل والسقوط لديه، فلولا فتح أبواب التوبة له، فإنه لن يتمكن من النهوض بعد السقوط.
فرغم العقوبة الشديدة التي يجب ايقاعها بمن يرمون المحصنات زورا بتهمة الزنا، الا أن باب التوبة مفتوح لهم ايضا، {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
ومن يقرأ القرآن الكريم، يلحظ لحوق كلمة الإصلاح بالتوبة، فكثيرا ما تكرر ذلك في مواضع مختلفة من القرآن الكريم ذاته، ذلك لأن شرط قبول التوبة أن يصلح الإنسان ما أفسده بذنوبه، والله سبحانه يؤكد لفئة التائبين، بأن مغفرته ورحمته سوف تشملهم إن هم رجعوا إلى طريق الحق بعد الانحراف، وتداركوا ما فاتهم بالجهد المخلص والعمل البناء، وإصلاح ما أفسدوه بذنوبهم، فهم -على سبيل المثال- إذا اتهموا المحصنات بالفاحشة وسقط شرفهن بذلك، وجب عليهم الإعلان عن كذبهم، والاستعداد لإجراء الحد عليهم، لإعادة الاعتبار إليهن، فقد قال سماعة: سَأَلْتُهُ -أي الإمام الصادق، عليه السلام- عَنْ شُهُودِ الزُّورِ؟ فَقَالَ: “يُجْلَدُونَ حَدّاً لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ، وَ ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ، وَ يُطَافُ بِهِمْ حَتَّى يَعْرِفَهُمُ النَّاسُ، وَ أَمَّا قَوْلُ الله عَزَّ وَ جَلَّ: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ؟ قَالَ: يُكْذِبُ نَفْسَهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ حَتَّى يُضْرَبَ وَ يَسْتَغْفِرَ رَبَّهُ وَ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ”. (2)
وهكذا يشجع الله عباده على التوبة، والرجوع إليه، حينما يعدهم بالمغفرة والرحمة إذا ما تابوا وأصلحوا.
_____________________
1- الكافي: ج 7 ص 184
2- الكافي: ج 7 ص 241
