الهدى – متابعات ..
يشهد العراق تحولاً رقمياً جذرياً في مؤسسات الدولة، مبدداً مشهد الطوابير الطويلة وتدخلات السماسرة، ومفسحاً المجال أمام نظام جديد يعتمد على المواعيد الإلكترونية والخدمات الفورية.
وهذا التحول، الذي بدأ مطلع العام الحالي، يهدف إلى تعزيز الشفافية، اختصار الوقت، ومكافحة الفساد في العلاقة بين المواطن والدولة.
تبسيط المعاملات وتقليص الفساد
وقامت غالبية الوزارات والمؤسسات العراقية، وخاصة تلك التي تتعامل مع الشؤون الحياتية للمواطنين مثل الداخلية، الصحة، التعليم، التربية، والمالية، بتدشين أنظمة المعاملات الإلكترونية.
وقد انعكس هذا إيجاباً على ملايين العراقيين الذين يؤكدون أن النظام الجديد يحد بشكل كبير من فرص الرشوة والفساد الإداري، ويقلل من الازدحام وساعات الانتظار الطويلة.
ففي السابق، كانت خدمات مثل إصدار جوازات السفر، رخص القيادة، بطاقات الأحوال المدنية، مواعيد الخدمات الوزارية، الفحوصات الطبية، وشهادات التعليم، تشكل تحديات كبيرة.
وكان المواطنون يضطرون لدفع مبالغ لسماسرة أو موظفين لتسهيل الحصول على هذه الخدمات، أو حتى لتقديم رشاوى لتجاوز القوانين وتمرير معاملات غير شرعية.
أما اليوم، فالمعاملة التي كانت تستغرق أسبوعاً أو أكثر، يمكن إنجازها في يوم واحد أو حتى في ساعات قليلة بفضل التحول الرقمي.
جهود حكومية حثيثة لتعزيز التحول الرقمي
ولم يكن هذا التحول ليتحقق لولا الجهود الحكومية المبذولة. فقد أنشأت حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني مركزاً متخصصاً لتدريب الموظفين وتطوير قدراتهم، وإعداد برامج وتطبيقات للخدمات الرقمية.
كما تعاقدت الحكومة مع شركات عالمية لتنفيذ التعاملات الإلكترونية، بهدف تقليل الفساد والرشوة من خلال أنظمة لا يمكن التلاعب بها، وتقليل الاحتكاك المباشر بين المواطنين والموظفين.
وفي مايو/ايار الماضي، أكد السوداني التزام الحكومة بتنفيذ برنامج التحول الرقمي الكامل، مشيراً إلى أن “التحول الرقمي منح حلولاً لتبسيط العمليات وتعزيز مشاركة المواطنين وزيادة الشفافية في قطاعات البنى التحتية والنقل، ودعم مبادرات المدن الذكية، وخلق الوظائف، ما سيؤدي إلى تحسين الخدمات العامة، ويضمن الشمول الرقمي لجميع المواطنين”.
“منصة أور”: نقلة نوعية في الأداء الحكومي
وفقاً لأمل الشيخلي، معاونة مدير قسم تكنولوجيا المعلومات الحكومي، تمثل “منصة أور” نقلة نوعية في تطوير الأداء الحكومي وتحسين تقديم الخدمات.
وتُعد هذه البوابة الحكومية الإلكترونية وسيلة لتوحيد البيانات بين مؤسسات الدولة، وتمكين كل موظف من امتلاك قاعدة بيانات تسهل تبادل المعلومات بين الوزارات، وتحد من التكرار والازدواجية، مما يجعلها خطوة أساسية في مشروع الحكومة الرقمية.
وعلى الرغم من النجاحات، تواجه المنصة تحديات أولية مثل صعوبة التسجيل للمرة الأولى لبعض المستخدمين وغياب الكوادر المتخصصة القادرة على التعامل بكفاءة مع الأنظمة الحديثة.
لكن الشيخلي تؤكد أن الخدمات المقدمة عبر المنصة تحظى بإقبال واسع، مشددة على ضرورة المزيد من الورش التدريبية والتأهيل التقني واستقطاب اختصاصات لتطوير الأنظمة باستمرار.
تحسين ملموس في تجربة المواطنين
ويشيد المواطنون بالتحسينات الملموسة، حيث يؤكد حيدر كريم، من بغداد تجربته الإيجابية في استخراج جواز سفر عبر منصة وزارة الداخلية، حيث تم تحديد موعد للمراجعة دون الحاجة لساعات انتظار طويلة.
و”أبرز ما جرى تطبيقه هو نظام الحجز المسبق عبر الإنترنت الذي حدّ بشكل كبير ظاهرة الطوابير الطويلة وسمح للمواطنين بحجز مواعيد مسبقة للخدمات التي احتاجوها ما يساعد على توزيع المراجعين بشكل متوازن خلال اليوم”، يضيف كريم.
من جانبه، ذكر العميد أحمد الربيعي، مدير أحد مكاتب الجوازات في بغداد، أن اعتماد النظام الإلكتروني بنسبة تزيد عن 80% خفف ضغط العمل على الموظفين وقلل زمن إنجاز المعاملة إلى أقل من 20 دقيقة في بعض الحالات. وقد انعكس هذا التحول التقني أيضاً على تحسن ملحوظ في أداء وسلوك الموظفين، الذين أظهروا التزاماً أكبر بالمواعيد وتعاوناً، مما يشير إلى أهمية التدريب الإداري ورفع مستوى الوعي الوظيفي.
العدالة الرقمية وتحديات المستقبل
وتؤكد يسرى حميد عباس، استشارية وطنية في نظم إدارة الجودة، أن الأنظمة الإلكترونية الحكومية ليست مجرد تطور تقني، بل هي “نوع من العدالة للمواطنين”.
فهدفها هو تقديم خدمة ميسرة وفعالة تقلل الجهد والوقت، مما يجعل استجابة الوزارات لتطبيق هذه الأنظمة “أمراً إلزامياً” لارتباطها برضا المواطن.
وترى عباس أن التحول الرقمي يتطلب إعادة هندسة العمليات لتقليل الخطوات والتكلفة، مشيرة إلى ارتفاع تدريجي في مؤشرات رضا المواطنين بعد تحويل الخدمات الورقية إلى إلكترونية.
رغم هذه الإيجابيات، لا تزال بعض التحديات قائمة، مثل ضعف الاتصال بالإنترنت في بعض المناطق وتفاوت كفاءة الأجهزة الإلكترونية بين المحافظات.
ومع ذلك، أكدت وزارة الداخلية عزمها على توسيع نطاق التحديث ليشمل جميع المحافظات.
وتضيف عباس أن تعزيز ثقة المواطن في مبادرات الدولة أمر حيوي، وأن فئات واسعة، خاصة كبار السن، قد تجد صعوبة في التعامل مع المنصات الرقمية، مما يستدعي دعم الثقافة الرقمية بين المواطنين وتدريب الموظفين. وتوضح أسيل فاضل، وهي مطلقة تبلغ 33 عاماً، كيف غير الدفع الإلكتروني طريقة استلامها لنفقة أولادها، حيث تحولت من انتظار يدوي مرهق لأكثر من ست ساعات إلى عملية فورية ومريحة، مما يعكس الأثر المباشر والإيجابي للتحول الرقمي على حياة الأفراد.
