لماذا أمر الله –تعالى- إبليس بالسجود لآدم؟
وما الذي جعل ابليس يتحدى رب العزّة، ويرفض أوامره بالسجود لآدم؟
قبل الإجابة على هذين السؤالين، يجدر بنا الإجابة عن سؤال محوري آخر:
لماذا أمرنا الله بان نتبع بشراً مثلُنا؟ لماذا لم ينزل الله من السماء ملائكة غلاظ شداد بيدهم الحراب، ثم يأمرنا باتباعهم وطاعتهم؟ انما قدّر الله –تعالى- ان يكون الرسل بشراً {يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ}، ولا شيء ظاهري يميزهم عن الاخرين، ولكن الأمر الإلهي جاء باتباع هؤلاء.
ثم ما هي الفائدة المرجوّة من طاعة النبي والأئمة الهداة، وايضاً طاعة العلماء والاولياء؟
لو عرفنا هذه الحقيقة لتفتحت امامنا أبواباً كثيرة من المعرفة، وعرفنا كثيراً من الحقائق.
معالجة عقدة الكِبَر
إن الانسان، كما كان ابليس، لديه عقدة الأنا، والنفس الامارة بالسوء، وعقدة الهوى، من الصعب عليه تجاوز هذه العقدة، وقد حاول ابليس الالتفاف على الأمر الإلهي بأن اقترح سجدة لله –تعالى- طولها أربعة آلاف سنة! لكنه غفل عن إرادة الرب من وراء هذا الأمر، فهو –تعالى- لا يريد السجود والعبادة لوحدها، وإنما يريد معها الطاعة.
في المراحل الأولى لدعوة النبي الأكرم الى الإسلام من خلال الآيات القرآنية التي كانت تنزل عليه، قال مشركي مكة: لماذا نزل القرآن على انسان فقير ومن الطبقة الدنيا في المجتمع، ولم ينزل على شخص غني او وجيه، لذا نحن نرفضه! نفس الموقف تكرر في ظهيرة يوم الغدير بعد أن نصّب رسول الله علي بن أبي طالب أميراً للمؤمنين بأمر من الله –تعالى- قام اليه أحد بقايا الشرك والجاهلية وقال له: أمرتنا بالصلاة فصلّينا، وأمرتن بالصيام فصمنا، وأمرتنا بالحج فحجّينا، واليوم تأتي لتؤمّر ابن عمك علينا، أ هذا منك أم من الله؟! فقال له رسول الله: انه من الله، فذهب وهو يقول: اللهم إن كان هذا من عندك فانزل علينا صاعقة تحرقني، ولم يلبث لحظات حتى نزلت عليه صاعقة ابادته بالكامل.
والقرآن الكريم في آيات عدّة يعالج هذه العقدة النفسية لدى الانسان، منها الآية الكريمة: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}، وفي التاريخ مواقف وشواهد كثيرة يجسد فيها الانسان حالة الكِبَر والاستعلاء والغرور، ولذا نلاحظ أن هذه العقدة تقف وراء جميع الصراعات السياسية والحروب في العالم.
الترويض على الخشوع
إن تحطيم هذه العقدة النفسية ليس بالأمر الهيّن، فهو امر صعبٌ للغاية، مما يدعو الانسان المؤمن لخوض هذا الامتحان ومحاولة التغلّب على نفسه، وما فيها من أهواء ورغبات تبعده عن الله –تعالى-، و أول خطوة في هذا الطريق؛ المعرفة.
المسألة ليست في المضامين، بقدر ما هي في الخشوع لله، والتسليم للحق، فنحن نوالي علياً بمعنى الولاية لله –تعالى-، وأن نجعل الكِبَر و النفس الامارة بالسوء تحت قدمنا
ذات مرة، في جلسة رمضانية، جرى حديث حول الولاية لأمير المؤمنين، فنقل أحدهم كلاماً لأحد المؤلفين يقول فيه: ليس من المهم معرفة أمير المؤمنين، و أن نواليه، بقدر ما أن المهم تطبيق كلامه!
فكان جوابي له: إن المسألة ليست في المضامين، بقدر ما هي في الخشوع لله، والتسليم للحق، فنحن نوالي علياً بمعنى الولاية لله –تعالى-، وأن نجعل الكِبَر و النفس الامارة بالسوء تحت قدمنا، هذه هي الغاية القصوى.
إن من المسائل الحادة والاساسية في حياتنا؛ اتباع الحق في طريق الصراع مع انفسنا، فعن الامام الصادق، عليه السلام: “أن في جهنم لوادٍ يُقال له سَقر، وقد شكى الى الله شدة حرّه! فسمح الله له بالتنفّس، فتنفس فاحترقت جهنم بأكملها”!
ومن ثم، فنحن نلتزم بطاعة الأئمة المعصومين والفقهاء والعلماء، وفي نفس الوقت نروّض انفسنا على التواضع والتفاعل مع القيادة الربانية.
قيل لعلي بن جعفر، وهو عمّ أبو الامام الجواد، بمعنى أنه كان ابن الامام الصادق، عليهم السلام، وكان شيخاً كبيراً، لماذا تعظّم وتتصاغر للإمام الجواد، وهو صغير السن، وأنت عمّ أبيه، تركض اليه وهو داخل في المجلس وتقبل يديه، وعندما يخرج تضع الحذاء أمامه، قال: ما اصنع، إن الله لم يضع لهذه اللحية صلاحية، و وضع الامامة في هذا الصبي، فصار له المقام العظيم لأنه خشع لله.
وعندما نقرأ الآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}، نسلط الضوء على كلمة “تسليما” فماذا تعني؟ إنها الخضوع والطاعة، وايضاً الآية الكريمة: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.
سأل الامام الصادق، عليه السلام، أحد أصحابه، ربما اسمه: جُريح، بأن ما مستوى تسليمك لنا؟ فقال: يا ابن رسول الله، إن اخذت تفاحة من هذه الشجرة وقسمتها نصفين، وقلت: هذا النصف حرام والنصف الآخر حلال، اخذت بكلامك، فبارك له الامام، لأن هذا هو تجسيد الطاعة والتسليم لولي الله.
لا ينبغي لأحدٍ الاغترار بما بلغه من الايمان، لأن الشيطان دائم العمل بوسوسته وهمزاته لإبعاد الانسان المؤمن عن الطريق المستقيم، بطرق واشكال مختلفة، وربما غير معروفة
من هنا نفهم إحدى الحكم والعلل من الأمر بطاعة الله، و رسوله، و أولي الأمر، حتى نواجه هذه النفس الامارة بالسوء، وحتى نصبح ممن قال عنهم ربنا –تعالى-: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}، و حتى نكون من أولياء الله الصالحين، والنجاح في هذا الامتحان ليس بالضرورة يكون من اليوم الأول، لأن الشيطان يقعد للإنسان بالمرصاد على طول الخط، إنما المطلوب المجاهدة والمواصلة في ترويض النفس، ثم ممارسة الضغوط المستمرة حتى تحقيق التسليم الحقيقي.
فلا ينبغي لأحدٍ الاغترار بما بلغه من الايمان، لأن الشيطان دائم العمل بوسوسته وهمزاته لإبعاد الانسان المؤمن عن الطريق المستقيم، بطرق واشكال مختلفة، وربما غير معروفة، مما يستدعي الانتباه والحذر الدائمين، و”الهمزة” هي أشبه ما تكون بحالة السقوط المريع من شاهق بعد صعود طويل، فتكون دفعة بسيطة تؤدي الى الهلاك، فالشيطان ينتظر لحظة الغفلة البسيطة ليزعزع ايمان الانسان، ففي لحظة انتباه واسترجاع، يعود الانسان المؤمن الى رشده، بينما غير المؤمن، ربما لا يستشعر بشيء من التغيير فيمضي في غيّه.
* بصائر مقتبسة من موسوعة “مِن هُدى القرآن” لسماحة المرجع المُدرِّسي (دام ظله).
