الهدى – متابعات ..
في ظل التوسع المتسارع في استخدام بطاقات الدفع الإلكتروني في العراق، والتي باتت عصب صرف رواتب ملايين المتقاعدين والموظفين، تتصاعد موجة من التحديات الأمنية المرتبطة بجرائم الاحتيال والنصب المالي، مما يثير قلقاً واسعاً بين المستفيدين.
فبالرغم من التسهيلات الكبيرة التي قدمتها هذه البطاقات في تبسيط الإجراءات المالية، إلا أن ضعف التوعية الرقمية ووجود ثغرات في بعض الأنظمة المصرفية، فتح الباب أمام المحتالين لاستهداف فئات عديدة، خاصة الأقل خبرة تقنياً.
ضحايا جدد: قصص من واقع الاحتيال
وتكشف قصص المواطنين عن أبعاد هذه المشكلة المتفاقمة. ماجدة رعد، موظفة حكومية، خسرت ثلاثة ملايين دينار بعد أن تواصلت معها شركة وهمية عبر “واتساب” بحجة تقديم قروض ميسرة.
وتقول ماجدة: “ظننت أن الأمر رسمي، تحدثوا بأسلوب محترف وأرسلوا نماذج تشبه أوراق المصرف. لكن بعد دقائق من إرسالي لبياناتي والرمز السري، اختفى الرصيد بالكامل”.
أما حسن عباس، متقاعد تجاوز الستين، فقد فقد 900 ألف دينار من حسابه بعد تلقيه اتصالاً من رقم مجهول ادعى المتصل فيه أنه موظف مصرف يطلب بيانات البطاقة لتفعيلها وإرجاع مبلغ “اقتطع بالخطأ”. أعطى حسن التفاصيل بثقة، ليكتشف لاحقاً أن الرقم أغلق والرصيد اختفى.
في المقابل، أظهرت نور عصام، موظفة شابة، وعياً أكبر. فقد وردها اتصال مماثل في نيسان الماضي، لكنها شعرت بالريبة ورفضت التعاون، وقامت بنشر تجربتها على “فيسبوك” لتحذير الآخرين، لا سيما كبار السن.
دعوات لتعزيز الوعي وآليات الرقابة
ويؤكد أحمد كريم، صاحب أحد منافذ توزيع بطاقات “كي كارد”، على الأهمية القصوى لتعزيز الوعي بثقافة الدفع الإلكتروني لمواجهة ظاهرة سرقة الحسابات المصرفية.
ودعا في حديث له إلى تنظيم حملات إعلامية وتثقيفية واسعة وورش عمل لتعليم المواطنين أساسيات الأمان الرقمي، محذراً من خطورة مشاركة البيانات الحساسة كأرقام البطاقات وكلمات المرور.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي دريد العنزي أن العراق يواجه تحديات كبيرة في تنظيم ومراقبة التحويلات المالية، مشيراً إلى غياب جهة مركزية تمتلك صلاحيات رقابية شاملة.
ويضيف العنزي أن “التحويلات والاستقطاعات الخاطئة وغير المكتشفة تمثل أرقاماً خيالية تحقق أرباحاً طائلة لبعض الشركات، ورغم الشكاوى القانونية، فإن الردع غائب”.
واقترح تأسيس شركة حكومية عامة تتولى مراقبة جميع التحويلات المالية عبر أنظمة رقمية دقيقة وكاميرات رقابة مركزية، محذراً من أن الفساد المالي لم يعد مقتصراً على المال العام بل تسلل إلى المال الخاص.
المصارف تحذر والأمن الوطني يتحرك
وكشف مصدر مطلع في مصرف الرافدين، فضّل عدم ذكر اسمه، عن تصاعد حالات انتحال صفة موظفين في المؤسسات المالية بهدف الاحتيال، خاصة عبر الاتصالات الهاتفية والرسائل المشبوهة والروابط الوهمية على منصات التواصل الاجتماعي.
ودعا المصدر إلى برامج توعية موجهة تحذر من مشاركة المعلومات الحساسة وتفضح الأرقام المجهولة.
من الناحية القانونية، يوضح الخبير القانوني علي التميمي أن جرائم الاحتيال الإلكتروني تُصنّف تحت المادة 440 من قانون العقوبات العراقي المعنية بالسرقة، وتصل عقوبتها إلى السجن المؤقت أو المؤبد، خاصة عند ارتكابها ليلاً أو بمشاركة أكثر من شخص أو باستخدام وسائل الاتصال الإلكتروني.
ويشير التميمي إلى أن غياب تشريع خاص بالجرائم الإلكترونية في العراق يُعد ثغرة قانونية تستفيد منها العصابات.
وفي إطار الجهود الرسمية، يواصل جهاز الأمن الوطني تعقب الشبكات الإجرامية المتورطة في عمليات الاحتيال المالي وسرقة رواتب الموظفين والمتقاعدين.
وقد أكد مصدر أمني، أن الجهاز يتخذ إجراءات صارمة بحق هذه العصابات، داعياً المواطنين إلى مراقبة حساباتهم والإبلاغ الفوري عن أي شبهة اختراق أو تلاعب، وتغيير كلمات المرور وتعطيل البطاقة عند اللزوم.
