قال أمير المؤمنين عليه السلام: “من نَصَبَ نفسه للناس إماماً فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم”.
مجموعة قضايا هامة يطرحها أمير المؤمنين، عليه السلام، فيما يرتبط بمسألة القيادة للأمة او لمجموعة من الافراد.
في هذه الكلمة القصيرة، ثمة عدة قضايا:
الاولى: مسألة الترشيح للإمامة؛ وهل أن باب الترشيح للإمامة مفتوح أم لا؟
الثانية: تعليم النفس، وهل ان ذلك ضرورة من ضرورات الإمامة أم لا؟
الثالثة: التأديب لأفراد الامة من قبل الإمام، هل يُعد ذلك من مسؤولية القيادة، أم أن مسؤوليتها تنحصر في ادارة البلاد.
الرابعة: التأديب يكون بالعمل لا بالكلام.
الخامسة: إن معلّم نفسه ومؤدبها أولى بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم.
الامامة كونها تختلف عن الرئاسة، فان الامام يُعد قدوة للناس، وعمله يتحول الى ميزان ومقياس، لذا عليه ان يعلّم نفسه قبل ان يُعلم غيره
القضية الاولى: الترشيح للإمامة
فيما يتعلق بجواز ترشيح أي شخص نفسه لإمامة المسلمين، فان من الواضح أن كل انسان عندما يطمح لان يكون طبيباً ـمثلاًـ، عليه أن يدرس الطب ليكون من الأطباء، وهذا أمر متاح للجميع، ولا يستطيع أحد تحريمه على أحد، أو يرغب آخر ان يكون مهندسا، وثالث يريد ان يكون محامياً، أو أي اختصاص آخر.
كذا الحال اذا لمن يريد أن يكون قائداً للمسلمين مع توفر الشروط اللازمة، طبعاً؛ ما عدا إمامة الانبياء والاوصياء، لإنها إمامة تنزل بإرادة الله –تعالى- على البشر.
القيادة بشروط طبيعية وليست معجزة من السماء
أن يكون الانسان قائدا لا يعني ان يحدث ذلك بمعجزة تنزل من السماء، فكما يريد أحدهم في ان يصبح عالماً مجتهداً، ثم يحاول ان يحصل على شروط الاجتهاد فيكون واحدا من المجتهدين، “من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه”، وهذه رغبة مشروعة، وليست محرمة على الناس، لكن بشرط ان يكون أهلا لها، أو أن يحقق الأهلية في نفسه، فمن يجد في نفسه كفاءة القيادة فلا مانع من أن يرشح نفسه لهذا المنصب.
الصفات اللازمة للقيادة قابلة للاكتساب، فهي ليست صفات طبيعية يولد بها البعض ويُحرم منها آخرون، اذ ليس من شروط الامامة ما يستحيل على الناس اكتسابه
بالنسبة لشروط القيادة فهي ليست مثل شروط منصب رئاسة الجمهورية، اذ بإمكان الطبّاخ والخمّار والرياضي والممثل أن يرشح نفسه لانتخابات الرئاسة، لأن في هذه الحالة فان المجتمع؛ بمرور الزمن، سيتأثر بشخصية هذا الرئيس، فإن كان يميل نحو الميوعة والتحلل، فانه سيميل كذلك، أو كان محباً للمال والشهرة، وهكذا سائر الصفات، والسبب أن الغالبية من جماهير الشعب ستختار من يكون على شاكلتها.
بينما القيادة ليست هكذا، فلابد ان تتوفر فيها شروط يقول عنها الله –تعالى-: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}، فهم صابرون على الطاعة، وعلى المعصية، وعلى المصيبة، وكانوا يأتمرون بأوامر الله، ولذا جعلهم أئمة يهدون بأمرنا، أي جعلهم قادة للناس، ويقول –تعالى- في آية أخرى يوضح فيها شروط القائد: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}، ثم إن الناس ليسوا سواسية في درجات العلم والمعرفة والأخلاق، والقرآن الكريم يحدد هذه الصفة بأن القائد هو الأعرف والأعلم من غيره، وفي قضية طالوت وجالوت، تبين الآية الكريمة الصفات التي أودعها الله –تعالى- في طالوت، وهي: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}، وبهاتين الصفين تمكن طالوت ان يكون ملكاً ناجحاً في قومه، وتمكن من تحقيق الانتصار على العدو.
أولاً: قائدٌ يتحمل المسؤولية
وفي الحديث الشريف: “لا يتحمل هذا الامر (القيادة والامامة) إلا أهل الصبر، والبصر، والعلم بمواقع الأمر”، وفي حديث اخر، في صفة الامام: “مطلعٌ بالامامة، عالمٌ بالقيادة”. بمعنى أن يتصدى إمامة المسلمين بشكل واقعي وحقيقي، إذ ليس عندنا إمامة ديكور، مهمته التوقيع على المراسيم، والقوانين، فالقائد الحقيقي، من يحمل الراية والمسؤولية عن كل شيء.
جاء في الحديث الشريف: “يحتاج الامام الى قلب عقول، ولسانٍ قؤول، وجِنان على إقامة الحق”، أي أن يمتلك العقل ويعقل به، وأن يكون عنده لسان كالسيف لايخشى من قول كلمة الحق في مكانها، وأن يكون ذو قلب قوي وشجاع في إقامة الحق.
وفي حديث آخر: “ان الامامة لا تصلح إلا لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن المحارم، وحلم يملك به غضبه، وحسن الخلافة على من وُليّ حتى يكون لهم كالوالد الرحيم”.
جديرٌ ذكره أن هذه الصفات قابلة للاكتساب، وليست صفات طبيعية يولد بها البعض ويحرم منها آخرون، اذ ليس من شروط الامامة ما يستحيل على الناس اكتسابه، شأنها شأن سائر قضايا الحياة، فمن غير المسموح لإنسان ان يفتح عيادة طبية إلا بترخيص وإلا قتل الناس.
وكما ان من يجد في نفسه شروط الامامة، ان يرشح نفسه لهذا المنصب، ومن لم يجد له أن يسعى للحصول عليها، كذلك يحرم على من يفتقد هذه الشروط ان يتولى منصب الامامة، أو أن يرشح نفسه لقيادة الناس والأمة، ولا فرق في عدد الافراد الذي يتبعون هذا القائد، سواء كانوا أربعة اشخاص، او عشرة، او مليون او عشرات الملايين.
في الحديث الشريف: “من خرج يدعو الناس الى نفسه، وفيهم من هو أفضل منه، فهو ضال مُبتدع”.
وكما لا يجوز من يفتقد شروط الامامة ان يرشح نفسه لها، لا يجوز للامة إطاعة امام لا تتوفر فيه الشروط الامامة.
أهل السلطة وتجويز الحاكم الجائر
من أجل إضفاء شرعية على سلطانهم الجائر والظالم، عمد الأمويين والعباسيين على تمويل الاحاديث المكذوبة على رسول الله، صلى الله عليه وآله، تدعو لإطاعة الحاكم وإن كان فاسقاً وظالماً، منها: “صلوا وراء كل برٍ وفاجر، و أطيعوا كل أمير براً كان أم فاجر”! فإن كان هذا لحكم الله، فلماذا كان رسول الله يقاوم سلطان قريش عندما كانوا أمراء على الناس؟ ولماذا قاتل أبو سفيان، و أبو جهل، وكلهم كانوا فسقة ومشركين؟
ومن الاحاديث المكذوبة الأخرى: “من يُطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصي الامير فقط عصاني”!
ثانياً: من شروط الإمامة، أن يعلّم الإمام نفسه
كل انسان يجب عليه ان يكون معلم نفسه، ويكون الإمام في المقدمة.
والامامة كونها تختلف عن الرئاسة، فان الامام يعد قدوة للناس، وعمله يتحول الى ميزان ومقياس، لذا عليه ان يعلّم نفسه قبل ان يُعلم غيره، فهو مسؤول امام الله عن تعليم نفسه، وان يعلم نفسه امام الله.
ومما يذكره امير المؤمنين، عليه السلام، في هذا السياق: ان على الامام ان يثقف نفسه، وأن يكون دائم التعلم والقراءة، لا ان يقول: أتعلم واقرأ في وقت الفراغ، وعندما أكون اماماً لا حاجة لي، فالامامة ليست بالشهادة الجامعية، بمعنى ان يستمر في العلم والتعلم حتى مماته، ومن المهد الى اللحد.
ثالثاً: مسؤولية القائد عن عادات وتقاليد الناس
ان مهمة تربية الناس من مسؤولية الامام والقائد، عبر السلوك الصحيح وليس الشعارات والنصائح، بمعنى؛ أن يكون دور الامام في الامة دوراً عملياً، وليس نظرياً، أو ادارياً، او بلاغياً، او ادبياً.
في الحديث الشريف: “ان الامام لا يستطيع أحد ان يطعن عليه في فم، ولا بطن، ولا فرج، فيقال؛ كذاب و يأكل أموال الناس”.
رابعاً: ان تكون تربيته بالسيرة لا باللسان
نبي الله شعيب يقول –في الآية الكريمة-: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}، وفي الحديث الشريف: “ان الله أوحى الى عيسى: “عِظ نفسك، فان اتعظت فعظ الناس وإلا فاستح منّي”.
اذا نجد اليوم ان الامة الإسلامية ساقطة حضارياً، لأن تاريخنا ساقط، والسبب في تسلط أناس نكرات، رغم كل ما نمتلكه من ثروات وقدرات، وان من يحكم اليوم هم أحفاد أولئك الذين حكموا باسم الإسلام بالأمس
مآلات القائد غير الجدير
كل مآسي البشرية بدأت من اعتلاء قائد جائر وظالم لا تتوفر فيه شروط القيادة الصحيحة، فالانحراف في المجتمع يبدأ من الحاكم الفاسق، والحرب تشتعل من وجود الحاكم الظالم، وهذا ما نلاحظه في التاريخ الغابر، وايضاً؛ في تاريخنا الإسلامي، حيث يشهد التاريخ لمساحات من الفسق والفجور والظلم والتعسف من حكام ادّعوا –وما يزالون- انتمائهم للإسلام ولرسول الله، صلى الله عليه وآله، فقد أزهقت الأرواح، وتبذرت الملايين على المداحين والمغنين والجواري في ليالي اللهو والمجون، فيما كان الآلاف يرزحون تحت وطأة الجوع والحرمان.
فاذا نجد اليوم ان الامة الإسلامية ساقطة حضارياً، لأن تاريخنا ساقط، والسبب في تسلط أناس نكرات، رغم كل ما نمتلكه من ثروات وقدرات، وان من يحكم اليوم هم أحفاد أولئك الذين حكموا باسم الإسلام بالأمس.
.
إن عدم توفر مثل هذه الشروط في الامام والقائد للامة في الماضي والحاضر، نلاحظ كيف انها ابتليت بالفساد والجور والانحراف، فكانوا يهدون الناس الى النار وليس الى الجنة، وكيف انهم حولوا الامامة المقدسة الى مُلك عضوض يتوارثه الابن عن ابيه، بعيداً عن الكفاءة والأهلية.
وثمة ملاحظة أخيرة:
ان كثيراً من الصالحين والثائرين والصادقين الذين يطالبون بإسقاط الطاغوت، ما أن يصلون قمة السلطة حتى يتحولون الى اشخاص آخرين، فالملوك عادات وتقاليد، فاذا صار الانسان الجائع والمظلوم حاكماً، له القصور والأموال، فانه ينسى حالته السابقة.
نعرف أحزاباً كانت ترفع شعارات الكادحين والعمال وحقوق المحرومين، ولكن ما ان وصولوا الى السلطة راحوا يظلمون الناس، حتى ترحم الناس على الحكام السابقين. والمثال من التاريخ: العباسيين جاؤوا الى الحكم تحت شعارات: “يا لثارات الحسين”، و “الرضا من آل محمد”، ولكن حينما حكموا ترحم الناس على بين أمية، فقد قتلوا من الأئمة اكثر مما قتل بنو أمية.
*(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).
