الأخبار

ارتفاع مقلق في إصابات السرطان بالبصرة وصمت حكومي مطبق

الهدى – البصرة ..

على الرغم من التحذيرات المتزايدة بشأن الارتفاع المخيف في أعداد المصابين بالسرطان في محافظة البصرة، وخاصة في المناطق القريبة من حقول النفط، لا يزال الصمت الحكومي هو سيد الموقف تجاه هذه الكارثة البيئية والصحية المتفاقمة.

ففي الوقت الذي يتغلغل فيه السرطان بصمت كالغبار في أجساد العراقيين، لا تزال السلطات تنفي أي علاقة بين الأمراض والأنشطة النفطية، وسط اتهامات بـ”التواطؤ” مع شركات النفط الكبرى.

عرادة” نموذج للكارثة

وفي بلدة “عرادة” بالبصرة، والتي لا يتجاوز عدد سكانها 51 ألف نسمة، وثّق مدير مدرسة، صادق حوير، أكثر من 3 آلاف حالة سرطان جديدة خلال عامين فقط.

وهذه الأرقام المفزعة تدق ناقوس الخطر، لكن تعامل السلطات العراقية مع القضية حوّلها من شأن طبي إلى ملف فساد يفتقر إلى تحقيق نزيه.

الكلفة البشرية لصناعة النفط

وكشف تحقيق أجرته مجلة “نيو لاينز” الأميركية عن الكلفة البشرية الباهظة لصناعة النفط في العراق، مشيرة إلى محاولات المسؤولين والشركات إخفاء الارتفاع المقلق في الحالات المرضية. وتقع بلدة “عرادة” بالقرب من حقل “غرب القرنة 2” الذي تديره شركة “لوك أويل” الروسية. وتُعد الغازات المحروقة الناتجة عن استخراج النفط السبب الرئيسي للتلوث المستمر في المنطقة.

وقد استفادت شركات النفط الأجنبية الكبرى مثل “بي بي”، و”إيني”، و”إكسون موبيل”، و”لوك أويل” من موجة الاستثمارات النفطية بعد عام 2009، لكن دون أي التزام حقيقي بالمعايير البيئية.

وأظهرت دراسة لجامعة البصرة، نُشرت في مجلة “بيئة آسيا” (Environment Asia) في سبتمبر 2024، أن جميع الملوثات تقريباً تجاوزت الحدود المسموح بها محلياً وعالمياً، أبرزها الجسيمات الدقيقة المسببة للسرطان وفقاً للوكالة الدولية لأبحاث السرطان.

الحرق المستمر للغاز والإهمال الحكومي

وعلى الرغم من أن العراق موقّع على مبادرة البنك الدولي لوقف الحرق الروتيني للغاز، فقد أحرق 24 مليار ياردة مكعبة من الغاز في عام 2023 وحده، مما يجعله ثالث أكبر دولة ملوثة بهذه الطريقة بعد روسيا وإيران.

وهذا يؤشر إلى فجوة هائلة في البنية التحتية والحوكمة، مما يفتح الباب أمام الفساد والإهمال المتعمد.

ولم تقدم السلطات أو شركات النفط أي بدائل أو حلول تكنولوجية لوقف التلوث، بل تستمر في الحرق المكشوف للغاز رغم مخاطره المعروفة ووقوع منازل في “عرادة” وأماكن أخرى على بعد مئات الأمتار فقط من أبراج الحرق، في انتهاك واضح للقانون العراقي الذي يمنع تشغيل أبراج الحرق على مسافة تقل عن 10 كيلومترات من المناطق السكنية.

تضارب الأرقام وإنكار المسؤولية

وفي عام 2022، كشفت “بي بي سي” وثائق رسمية مسربة، من بينها تقرير سري لوزارة الصحة العراقية، أرجع ارتفاع السرطان بنسبة 20% بين عامي 2015 و2018 إلى تلوث الهواء.

كما أظهر تقرير آخر من دائرة صحة البصرة أن العدد الحقيقي لحالات السرطان في 2020 بلغ 8587 حالة، مقارنة بـ 2339 حالة في البيانات الرسمية المعلنة.

ورغم هذه الأرقام، أعلنت الوزارة في عام 2023 عن 3305 حالات فقط، وهي أرقام يثير السكان والمراقبون الشكوك حول صحتها.

وفي مطلع عام 2024، أكدت دراسة أن الانبعاثات الغازية الناتجة عن الحقول والمصافي النفطية في البصرة تؤدي إلى زيادة ملحوظة في السرطان وأمراض القلب والفشل التنفسي، وحذرت بشكل خاص من أن السكان القريبين من مناطق الحرق المكشوف معرضون لخطر صحي أكبر.

من جانبهم، أقر كل من وزير البيئة جاسم الفلاحي، (في عام 2022) ووزير الكهرباء السابق لؤي الخطيب بأن ارتفاع حالات السرطان يعود مباشرة إلى التلوث الناتج عن عمليات النفط.

إلا أن الخطاب الرسمي تغير في عام 2025، حيث أنكر المتحدث باسم وزارة الصحة، سيف البدر، تأثير الشركات النفطية، وادعى أن “الزيادة تعود للنمو السكاني وتحسّن التشخيص”.

تواطؤ وتحديات قانونية

وتصر وزارة الصحة العراقية على أن معدل السرطان في البصرة ليس استثنائياً، وتضع المدينة في المرتبة السادسة على مستوى المحافظات، نافية وجود تفاوت إحصائي جوهري بين المحافظات.

ومن المفارقات أن مستشفيات البصرة تعتمد بشكل متزايد على تمويل شركات النفط لبناء وحدات علاج الأورام، وهو ما يصفه البعض بأنه “فساد ممنهج وتواطؤ” يهدف إلى التستر على حجم الكارثة الصحية.

وتوالت الوعود الرسمية بـ”إنهاء الحرق الغازي” منذ عام 2018، وتم تأجيلها مراراً إلى 2020، ثم 2023، والآن إلى 2027.

ورغم تسليط بعض وسائل الإعلام الضوء على المشكلة، لم تنخفض نسبة الحرق، بل تضاعفت “تبرعات المستشفيات”.

ويؤكد رئيس لجنة حقوق الإنسان في نقابة المحامين بالبصرة، أثير الموسوي، أن الشركات النفطية لا تلتزم بمعايير السلامة، وأن المؤسسات الحكومية المعنية لا تفرض القوانين، مرجعاً ذلك إلى “الوظائف والمصالح العائلية” التي تربط المسؤولين بالشركات.

وفي المحاكم، تغيب الوثائق الرسمية التي تربط التلوث بالمرض، مما يؤدي إلى خسارة القضايا. ولقد تعرض الموسوي نفسه للتهديد واضطر لترك منزله بسبب تمثيله لأكثر من 200 عائلة.

وفي سابقة قانونية، رفع حسين جلود، والد الشاب المتوفى علي جلود، دعوى في محكمة بريطانية ضد شركة “بي بي” في عام 2024، بعد أن وثّق ابنه حياته قرب أبراج الحرق.

ويؤكد المحامون أن وزارة الصحة ترفض إدراج “التلوث” كسبب رسمي للسرطان، مفضلة استخدام مصطلحات مثل “أسباب غير معروفة” أو “وراثية”، مما يجهض أي فرصة للمحاسبة القانونية ويترك الضحايا بمفردهم في مواجهة شركات عملاقة.

وفي فرع صندوق الإسكان الحكومي بالبصرة، أقر مسؤول كبير -تحدث بشرط عدم كشف اسمه- بأن “الملفات الطبية وشهادات الوفاة تملأ المكاتب، والأرقام التي نراها لا تطابق الأرقام التي تصدرها وزارة الصحة”.

وهذه الاتهامات المتكررة لوزارة الصحة بالتستر على الأرقام ورفض الربط بين التلوث والمرض، إضافة إلى إقصاء من يتحدث، تقابلها اتهامات موازية لشركات النفط التي تتمتع بحصانة سياسية بفضل تحالفات داخل السلطة، وتقديم الرشاوى أو الترهيب ضد الضحايا.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا