حدیث الناس

المتوكل العباسي في كربلاء المقدسة!

يعتقد البعض أن المعركة بين جبهة الامام الحسين، عليه السلام، وجبهة الانحراف والتضليل قد انتهت الى غير رجعة بانتهاء مشاهد الدماء والأشلاء، ثم الإجراءات القمعية لمنع زيارة مقام هذه الأشلاء والأجساد الطاهرة، واليوم توفر لنا أجواء الحرية والأمان فرصة خلق واقع جديد للناس يرفهون فيه عن أنفسهم في المطاعم والمتنزهات ومجمّعات التسوق، ويلتقطون الصور التذكارية بين المصابيح الملونة والمناظر الجميلة بالقرب من مرقدي الامام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس، فكل شيء على ما يرام!

اذا آمنّا بصدق أن قضية الامام الحسين مع الطغيان والظلم والانحراف لم تنته حتى يظهر الامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، علينا التصديق –منطقياً- أن قضية الطغيان والظلم والانحراف هي ايضاً لم تنته مهمتها مع الامام الحسين، ومنهجه الرسالي المحمدي، ألا نردد دائماً هتافه المدوي: “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”؟ ألا يتبرم الناس اليوم من خوف السلطة من الإصلاح كونها غارقة في الفساد؟

إن دوافع المتوكل العباسي بهدم مرقد الامام الحسين، وتسويته مع الأرض، ثم حرثه واغراقه بالمياه لإخفاء موقعه عن الزائرين المؤمنين، ما تزال قائمة بأشكال مختلفة، فاذا منع المتوكل ومن سار على نهجه حتى نظام حزب البعث البائد، الابدان من الاقتراب الى المرقد الشريف، فان جهات معينة اليوم تعمل على منع النفوس من الاقتراب اليه، أو لنقل “الإشغال” بمثيرات تقلل من شأن المدينة المقدسة وصاحبها، كما كان يفعل الحكام الامويون والعباسيون في عهد الأئمة المعصومين عندما كانوا يحتسون الخمر في حضورهم في محاولة بائسة لتحدي القيم والاحكام التي يمثلها الأئمة الهداة، مع علمهم بهذه الحقيقة، بيد أن عقدة النقص والخوف من النقاء والطهارة ان تنتزع الشرعية من سلطانهم، هو الذي يدفعهم لممارسة مثل هذه الأفعال.

ولا اعتقد أن انساناً اليوم في العراق وخارج العراق يجهل حقيقة كربلاء المقدسة، وأن فيها مرقد الامام الحسين المذبوح على ترابها، فنحن لسنا قبل ألف واربعمائة عام عندما قال أهل الشام لدى سماعهم نبأ استشهاد أمير المؤمنين في محراب صلاته: “وهل كان علي يصلي”؟ فالاتصالات والنشر بات في مراحل متقدمة جداً بفضل الابتكارات المتلاحقة، مع زهد التكلفة، فلا يقول أحدٌ: “لا علم لي بأن ثمة مصيبة وقعت في هذه المدينة، وأراها مدينة سياحية جميلة بشوارعها المضاءة وحدائقها ومطاعمها وأسواقها”.

المسؤولية الأخلاقية قبل الدينية تقع على الجميع، ليس فقط باحترام صاحب هذه المدينة بعدم القيام بأي عمل ينافي مبادئه وقيمه التي استشهد من اجلها، وإنما الحذر من مغبة الانزلاق في متاهات التضليل والترويج للبدائل، فثمة جهات عديدة تخشى بشدة من استثمار الحرية والأمان في العراق لنشر قيم أهل البيت، عليهم السلام، وتحديداً قيم عاشوراء التي ترسم للإنسان مساراً يختلف تماماً عن المسارات الموجودة في العالم، فهي الحرية مع الكرامة الإنسانية، لا أن يكون الانسان حراً ويفقد كرامته وشخصيته، او يتجاوز على حريات وحقوق الآخرين، وهذه المعادلة تعجز عنها العديد من بلاد العالم، فالانسان في كل مكان، لاسيما في الغرب، يتمتع بالحرية، ولكنه لا يعيش كريماً في حياته.

وأول خطوة في هذا الطريق؛ إلصاق وصمة البكاء والحزن الدائم على مدينة كربلاء ليكون ثمة مبرر لطرح البديل بالضحك والانبساط والابتهاج، مستغلين نزعة الانسان نحو الراحة والانشراح والابتعاد عن كل يعكّر المزاج.  

الدعوة موجهة لكل من تهفو نفسه لزيارة مدينة كربلاء المقدسة لأن يكون على درجة عالية من الوعي واليقظة والحذر للمحافظة على تراث الامام الحسين، عليه السلام، وأغلى ما في هذا التراث؛ الإصلاح، وعدم السماح للإفساد ان يضيع ملامحه في الساحة الاجتماعية، فهو، عليه السلام، ضحى بنفسه وبأبنائه وأهل بيته ليكون الانسان؛ في العراق وفي كل مكان بالعالم، أن يكون صالحاً ومكرماً، وليكون هذا الصلاح والكرامة سبيله الى السعادة في حياته وبعد مماته.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا