الهدى – بغداد ..
في تحول اقتصادي استراتيجي يهدف إلى فك الارتباط التاريخي بقطاع النفط والغاز، يتجه العراق نحو استثمار غير مسبوق في قطاع التعدين، الذي يضم ثروات معدنية هائلة تتجاوز قيمتها التقديرية 16 تريليون دولار أمريكي.
وهذه الثروات الكامنة في باطن أرض بلاد الرافدين تضع العراق في مصاف الدول الأغنى عالميًا من حيث تركز الثروات الطبيعية، وتقدم فرصة واعدة لتنويع مصادر الدخل الوطني وتحقيق التنمية المستدامة.
قطاع التعدين: عمود جديد للاقتصاد العراقي
وأكد المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، اليوم الأربعاء، في تصريح صحفي، أن “العراق يتجه إلى تنويع مصادر الناتج المحلي الإجمالي من خلال التوسع في الاستثمار بقطاع التعدين، وهو القطاع الذي ظل مهملًا منذ عقود طويلة”.
وأضاف صالح أن الحكومة العراقية قد وقعت مذكرات تفاهم مع شركات دولية رصينة في مجالات استكشاف واستثمار المعادن، لا سيما في حقول الفوسفات، الكبريت، الليثيوم، والنحاس. يأتي هذا التوجه ضمن الإطار الاستراتيجي للبرنامج الحكومي، الذي يهدف إلى الاستغلال الأمثل لثروات البلاد غير النفطية.
وأشار صالح إلى أن “الاستثمار في قطاع التعدين سيسهم بجذب مليارات الدولارات في حقول جاهزة للتطوير مثل الكبريت والفوسفات والليثيوم وغيرها من المعادن”، مؤكدًا أن هذه الاستثمارات ستحدث نقلة نوعية في الاقتصاد العراقي.
مخزونات عالمية بمقاييس عراقية
ويُعد العراق، بحسب التقديرات العالمية المنشورة، الأول عالميًا من حيث تركز الثروات الطبيعية في الكيلومتر المربع الواحد، والتاسع عالميًا في قيمة الثروة الطبيعية المختلفة، بقيمة تقديرية تزيد على 16 تريليون دولار أمريكي.
وتتوزع هذه الثروات في مخزونات متنوعة تشمل معادن رئيسية ذات أهمية استراتيجية كبرى، فالاحتياطي من الفوسفات يُقدر بأكثر من 10 مليارات طن، ويُعد العراق الثاني عالميًا من حيث هذا الاحتياطي، ويتركز بشكل كبير في منطقة عكاشات بمحافظة الأنبار.
ويُعتبر الفوسفات مادة أساسية في صناعة الأسمدة، مما يفتح آفاقًا واسعة للصناعات التحويلية.
كما تتمتع بلاد الرافدين باحتياطات كبيرة من الكبريت الحر في منطقة المشراق بمحافظة نينوى، وتُعد هذه الحقول من أكبر حقول الكبريت الحر في العالم، أما السيليكا فتتركز في منطقة النجف الأشرف وغرب العراق، وتُعد من أهم وأنقى المخزونات في العالم وفقًا للقراءات العالمية المنشورة دوليًا، وتُستخدم في الصناعات الزجاجية، الإلكترونيات، وأشباه الموصلات، مما يجعلها عنصرًا حيويًا في التكنولوجيا الحديثة.
إضافة إلى ذلك، تتوزع معادن مثل الحديد والمنغنيز والنحاس والذهب بين مناطق متفرقة من العراق، خصوصًا في إقليم كردستان والحدود الغربية والوسطى.
ويمتلك جنوب العراق مخزونات عملاقة من الثروات الطبيعية النادرة الأخرى، مما يشير إلى تنوع غير عادي في المحافظات العراقية.
التأثير الاقتصادي ومستقبل التنمية
وأوضح المستشار المالي أن سياسة تنويع الاقتصاد الوطني، من خلال استخراج الثروات المعدنية ومعالجتها لأغراض الصناعات الوطنية ومن ثم تصديرها عن طريق تعظيم “سلاسل القيمة المضافة” في الصناعات التحويلية أو شبه التحويلية، ستضيف إلى الناتج المحلي الإجمالي في المرحلة الأولى ما لا يقل عن 10 بالمئة.
وأشار إلى أنه “بعد ذلك ستتصاعد النسبة لتشكل بمرور الوقت واحدة من أعمدة تنويع مصادر الدخل الوطني، خصوصًا في حال تعاظم الارتباط بين الاستثمار المعدني وتطوير الصناعات التحويلية الوطنية، مثل صناعات الأسمدة، الألمنيوم، الزجاج، الإلكترونيات، والبطاريات المتعلقة بالطاقة المتجددة”. وستسهم هذه الاستثمارات في جذب رؤوس الأموال الأجنبية والتكنولوجيا والخدمات الرقمية المتقدمة، إضافة إلى توفير فرص العمل الوطنية والاستثمار في الكفاءات العراقية.
التنمية المستدامة درع واقٍ ضد تقلبات النفط
وأكد صالح أن “سياسة التنوع المعدني تُعد واحدة من فرص تطبيق فلسفة التنمية المستدامة، وفك الاقتصاد الوطني من الأحادية الشديدة لمورد النفط”. وعدّها “خط دفاع اقتصادي ضد أحادية تقلبات أسعار النفط التي تؤثر مباشرة في موارد موازنة الدولة”، مما يضمن استقرارًا اقتصاديًا أكبر للعراق في المستقبل.
وشدد على أن “الأجيال الحاضرة والقادمة ستشهد عصرًا استثماريًا جديدًا للعراق في التقدم والازدهار الاقتصادي والتقني نحو بناء أنموذج للتنمية المتوازنة الواعدة”.
ونوه إلى أن “العراق الذي يتطلع بقوة إلى بناء استثمارات في حقول التعدين كمورد مضاف على المديين المتوسط والبعيد لا ينفي الاستثمار في الحقل النفطي، لكنه لا يستطيع استبدال النفط بالكامل على المدى القريب، بل يعمل مكملاً مهماً في استراتيجية تنويع مصادر الاقتصاد الوطني”.
واختتم المستشار المالي تصريحه بالقول إن “قطاع التعدين يمثل فرصة واعدة للعراق، ليس فقط لزيادة الإيرادات المالية العامة، بل لإعادة التوازن الهيكلي للاقتصاد العراقي، وخلق فرص التشغيل الوطني الكبرى، وتحقيق تنمية متنوعة في المناطق الغنية بالثروات الطبيعية، التي سترتفع معها الاستثمارات في البنية التحتية، ضمن أنموذج في التنمية الاقتصادية المتوازنة جغرافيًا لعموم العراق”. هذه الرؤية الشاملة تبشر بمستقبل اقتصادي أكثر استدامة وازدهارًا للعراق وشعبه.
