بأقلامکم

السَّكينَة بالموَدَّة والرَّحمَة.. بناء الأسرة على نهج الزهراء و أمير المؤمنين

إذا لم يكن هناك سكينة وسلام في الحياة عموماً، والحياة الزوجية والعائلية خصوصا، فلن تُرضيك حتى أفضل التسهيلات والمغريات ووسائل الحياة المادية التي توفر لكما شيئاَ من الراحة والمتعة المادية.

بَلَى، أصبحت الحياة مزدهرة ومليئة بكل وسائل الراحة، ولكنها ليست مريحة! يرتدي الأزواج والزوجات أجمل الملابس، لكنهم لا يُظهرون أفضل السلوكيات، قد تراهم يُظهرون أفضل السلوكيات الى وبين الآخرين، (تماما كأنهم في عالم افتراضي)، ولكن عندما يصلون عالمهم الواقعي الى حياتهم الخاصة البعيدة عن الأعين، داخل جدران المنزل، يصبحون في عالم آخر قد يكون في كثير من الاحيان مشحون بالسلبية والتنافر.

فإذا وجدتما؛ أيها الزوجان، أن الحياة باتت مملة ومتعبة، وتريدان تغيير نمط حياتكما وأن يسودها السلام، فابحثا، منذ اللحظات الاولى للارتباط، عن قدوة حسنة، فالاقتداء بها في اتباع أسلوب حياة صحيحة يجعل حياتنا شبيهة بحياتهم، ولو بدرجة معينة، وأفضل قدوة نستفيد منها هم؛ أهل البيت، عليهم السلام، وبهذا الخصوص تحديداً، فلننظر كيف كان أمير المؤمنين علي، عليه السلام، يعامل زوجته فاطمة الزهراء، عليها السلام؟ وكيف كانت تعامله؟

في البدء: الاحترام المُتبادل

أيتها السيدات والسادة؛ اعلموا أن الاحترام المتبادل بينكما يعني حياة مستقرة هانئة، فإذا احترمت زوجتك، و احترمتي زوجك، ستنقلان هذا الاحترام إلى أطفالكم ايضاً، أما إذا أهمل احدكما الآخر ولم تُحترَم شخصيته، فسيزداد الأمر صعوبة عليكما، لذا، من أجل راحة بالكم، و أطفالكم، حاولوا خلق جو من الاحترام في حياتكم.

هناك بعض الأمور البسيطة التي يمكن أن يكون لها تأثير كبير على حياتكم معًا، ومن هذه الأمور البسيطة؛ مساعدة زوجتك في أعمال المنزل

ساعد زوجتك في المنزل

هناك بعض الأمور البسيطة التي يمكن أن يكون لها تأثير كبير على حياتكم معًا، ومن هذه الأمور البسيطة؛ مساعدة زوجتك في أعمال المنزل؛ المساعدة لا تعني القيام بجميع أعمال المنزل، فهذه من فنون النساء، إنما عليك أن تكون بجانبها، مجرد وجودك بجانبها يُشعرها بالسكينة. ولا تخشَ ما يقوله الناس، وحاول أن تُظهر لزوجتك اهتمامك و حُسن خُلقك.

رويَ عن أمير المؤمنين، عليه السلام، قال: “دخل علينا رسول الله، صلى الله عليه وآله، وفاطمة، عليها السلام، جالسة عند القدر، وأنا أنقِّي العدَس، قال: يا أبا الحسن، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: اسمع، وما أقول إلا ما أمر ربي، ما مِن رجل يُعين امرأته في بيتها إلَّا كان له بكل شعرة على بدنه، عبادة سنة صيام نهارها وقيام ليلها، وأعطاه الله من الثواب ما أعطاه الله الصابرين، يا علي، من كان في خدمة عياله في البيت ولم يأنف، كتب الله اسمه في ديوان الشهداء، يا علي، من لم يأنف من خدمة العيال دخل الجنة بغير حساب، يا علي، خدمة العيال كفارة للكبائر، ويطفئ غضب الرب، ويزيد في الحسنات والدرجات، يا علي، لا يخدم العيال إلا صديق أو شهيد أو رجل يريد الله به خير الدنيا والآخرة “. وقال، صلى الله عليه واله: “خيركم خيركم لأهله وانا خيركم لأهلي”.

 تقسيم مهام الحياة

حاولا أن تُدبّرا حياتكما وفق تخطيط وتعاون، فعندما تُدبَّر الحياة وتُقسّم المهام، يُنجز كلٌّ منكما واجباته ويُقدّم أفضل ما لديه للأخر، وللأسرة.

فعلى سبيل المثال والقدوة والتأسّي، لم تكن مولاتنا العظيمة فاطمة، عليها السلام، تتوانى عن مسؤولياتها داخل البيت؛ كما لم يكن إمامنا امير المؤمنين، الامام عليّ، عليه السلام يترك وظيفة مما يتعلق به. وقد كان النبي، صلى الله عليه وآله، قسَّم الأعمال من أول يوم زواجهما المبارك، على النحو الآتي:

ألف: على الزوج أن يمارس تنظيف الأرض (الكنس)، واستقاء الماء، بالإضافة الى ما عليه من النفقة.

باء: على الزوجة الطحن والعجن والخَبْز، بالإضافة إلى أمر تربية الأولاد، ومراعاة شؤونهم.

رويَ عن الإمام الصادق عليه السلام: “تقاضى علي وفاطمة، صلوات الله عليهما، إلى رسول الله، صلى الله عليه وآله، في الخدمة، فقضى على فاطمة بخدمة ما دون الباب، وقضى على علي بما خلفه”.

وجاء في حديث عن الإمام الباقر، عليه السلام: “إنَّ فَاطِمَةَ، عليها السلام، ضَمِنَتْ لِعَلِيٍّ، عليه السلام: عَمَلَ الْبَيْتِ وَالْعَجِينَ وَالخُبْزَ وَقَمَّ الْبَيْتِ، وَضَمِنَ لَهَا عَلِيٌّ، عليه السلام، مَا كَانَ خَلْفَ الْبَابِ: نَقْلَ الحَطَبِ وَأَنْ يَجِيءَ بِالطَّعَامِ. فَقَالَ لَهَا يَوْماً: يَا فَاطِمَةُ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: وَالَّذِي عَظَّمَ حَقَّكَ! مَا كَانَ عِنْدَنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ إِلَّا شَيْءٌ آثَرْتُكَ بِهِ، فقَالَ: أَفَلَا أَخْبَرْتِنِي؟ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه واله، نَهَانِي أَنْ أَسْأَلَكَ شَيْئاً، فَقَالَ: لَا تَسْأَلِي ابْنَ عَمِّكِ شَيْئاً، إِنْ جَاءَكِ بِشَيْءٍ عَفْواً، وَإِلَّا فَلَا تَسْأَلِيه”.

الصَّبر والتفَهُّم

على الزوجين أن يتحليا بفضلية الصبر، وسيجدان ثمرة ذلك في استقرار وهدوء البيت، فإن لم تكونا صَبورَين متفَهِمَين مُتسامحَين، فستواجهان أيامًا صعبة، فالصَّبر والتسامح عاملان يقويانكما، ومع مرور الوقت، لن تؤثر عليكما السلوكيات التي كانت تزعج احدكما من الآخر، فالحياة بدون تسامح وصبر ستكون كساحة معركة. يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: “إنَّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فدارها على كلِّ حال،  و أحسن الصحبة لها، فيصفو عيشك”.

ففي الحياة بشكل عام، وفي الحياة الزوجية خاصة، لابد من التسماح والغفران، بل و “التغافل” عن كثير من الهفوات البسيطة التي تصدر احياناً من الزوج والزوجة، فبدون ذلك تتنغص الحياة، يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: “مَنْ لَمْ يتغافل وَلَا يَغُضُّ عَنْ كَثِيرِ مِنْ الْأُمُورِ تنغصت عيشته”.

لذا؛ فللتسامح المتبادل أعظم الأثر في إصلاح أو تقليل عدم التوافق بين الزوجين، فبدون الرحمة والتسامح والصبر لا ينعم المرء بالحياة، فهي قد تصبح حياة بلا روح ومعنى، فعلى من يسعى إلى السلام والاستمتاع بالحياة الزوجية والاسرية، أن يجعل التسامح والصبر سيد حياته.

لا تُغضبها.. لا تُغضبيه

سيطِرا على سلوكياتكما وتصرفا باعتدال حتى لا تقعا في المشاكل، وبخاصة ما ينتج منها -على سبيل المثال- نتيجة الكلام، وهفوات اللِّسان والمشاحنات التي تُثار من كلمة او تعليق معين، تتحول الى لجاجة وجدال عقيم فخِلافٌ شائك، فإذا قال الزوج كل شيء كما يحلو له ويجول بخاطره دون سيطرة ووزن للكلام وأثره، ستغضب زوجته، والعكس أيضاً، أما إذا ضبطا لسانهما ولم يطلقا العنان له، فسينالان حياة هادئة وأياما سعيدة.

من خلال الزواج يؤمِّن الانسان حاجته العاطفية والروحية الى الطرف الاخر عبر المودَّة، والحب، والاستئناس بالبعض، وبالمودة والرحمة يتم بناء البيت الأسري

لقد تزوجتما لإحلال السلام بينكما، فإذا نشأت صعوبات ومشاكل، فاصبرا و كونا كالماء على النار لا الزيت على النار.

يقول أمير المؤمنين، عليه السلام، واصفا حياته مع الزهراء، عليها السلام: “فوَ الله ما أغضبتُها ولا أكرهتُها على أمرٍ ولا أغضَبَتني ولا عَصَت لي أمراً، ولَقَد كُنتُ انظُرُ إلَيها فَتَنكَشِفُ عَنّي الهُمُومُ وَالأحزانُ”.

 إذاً؛ فالحقوق والواجبات متبادلة بين الزوجين، وأي واحد منهما أغضب صاحبه فعليه الوزر والعذاب، ويفصل ذلك الحديث المروي عن النبي، صلى الله عليه وآله، في آداب العشرة بين الزوجين فيقول: “من كان له امرأة تؤذيه لم يُقبل الله صلاتها ولا حسنة من عملها حتى تعينه وترضيه، و إن صامت الدهر وقامت، واعتقت الرقاب، و انفقت الاموال في سبيل الله”، ثم قال، صل الله عليه وآله: “وعلى الرجل مثل ذلك الوزر والعذاب اذا كان لها مؤذيا ظالماً،  ومن صبر على سوء خلق امرأته، واحتسبه أعطاه الله بكل مرة يصبر عليها من الثواب مثل ما أعطى أيوب على بلائه”.

القاعدة القرآنية الذهبية.. السَكينَة بالمودَّة والرحمة

خِتاماً، لو اردنا ان نلخِّص كل ما ذُكرَ آنفاً، ونتلمّس كل ما من شأنه أن يحقق الغاية المرجوة من العلاقة الزوجية، وبناء الاسرة السليم، فأننا نجد أن الله –تعالى- قد بيَّن بلغة عميقة، لكنها واضحة سهلة، واسلوب غاية في الدقة والجمال، الغاية من الزواج وبناء العائلة؛ “السكينة”، وشرط تحققها “بالمودة والرحمة”.

فبالاضافة إلى الحاجة الجسدية الغريزية (الجنسية) التي يشبعها الزواج لدى كلا الطرفين، كذلك يسدّ الزواج الحاجة النفسية التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة الروم: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَايَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. فمن خلال الزواج يؤمِّن الانسان حاجته العاطفية والروحية الى الطرف الاخر عبر المودَّة، والحب، والاستئناس بالبعض، وبالمودة والرحمة يتم بناء البيت الأسري حيث الاستقرار والالفة، وخصوصاً، إذا تمخض الزواج عن ذرية صالحة مباركة تَعمُر البيت بالدفء والسرور، وتجعل كلًا من الرجل والمرأة يشعران بمسؤوليتهما المشتركة إزاء الكيان العائلي الذي أسهما في تأسيسه وقيام بنائه.

لقد وصف القرآن اللَّيل بأنه لِباس: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً}، وسكينة وطمأنينة: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ}، و وردت هاتان الكلمتان “اللباس والسكينة، عن الأزواج أيضاً. فمِن بليغ ولطيف إشارات القرآن الكريم تشبيهه الزواج لكل من المرأة والرجل بـ”اللِّباس”، حيث يقول تعالى في سورة البقرة: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}، ففي هذه المقارنة اللِّطيفة، تشبيه الزوج (الأنثى والذكر) بـ”باللِّباس” لبعضهما، نقاط تربوية دقيقة، فاللِّباس يستر عورة وعيوب الإنسان ويحفظ شخصيته و شرفه الاجتماعي، وعلى الأزواج والزوجات أيضًا ستر عيوب بعضهم البعض وحفظ شخصيتهم وشرفهم الاجتماعي، واللِّباس يحمي الإنسان من البرد والحر وتقلبات اجواء الطبيعة، وما إلى ذلك، فعلى الزوجين أيضًا أن يوفرا لبعضهما البعض أسباب التشجيع والتضامن امام تقلبات الحياة، في مرارة الحياة وحلاوتها، وحرارتها وبرودتها. وهناك علاقة وثيقة وحميمية بين اللِّباس ومن يرتديه، فلا يمكن لأي غريب أن يفرق بينهما، و كذا يجب أن تكون العلاقة بين الزوجين بحيث لا يمكن لأي غريب أن يدخل حياتهما، أو يطَّلع على أسرارهما، أو أن يُثير الفتنة بينهما، وكما أنَّ اللِّباس زينة ومصدر راحة للإنسان، كذلك الزواج مصدر طمأنينة وسكينة بين الزوجين وينبغي أن يكونا زينة لبعضهما البعض، ويكتسبان معًا مكانة في الأسرة والمجتمع لم تكن لهما من قبل، ولذلك يُعاملان باحترام أكبر.

عن المؤلف

هيفاء العامري

اترك تعليقا