بصائر

كيف نواجه التحديات الحضارية (2) الحبّ الحقيقي والطريق الى الله

كلنا نبحث عن طريق الى الكمال، وعندما نمعن النظر، نجد كل البشر، بل كل حيّ،  و كل موجودٍ شاعرٍ يبحث عن الطريق الى الله، لأنه –تعالى- الكمال كل الكمال، والجمال كل الجمال، وله الأسماء الحسنى، ولكن البشر ربما يُخطئ الطريق، وهنا تكمن الفتنة والامتحان، فاذا نجح الانسان في هذا الامتحان وصل الى الطريق الصحيح، وذلك عبر التوجه الى الله، ومن ثم قرر اتخاذ السبل التي ربنا هيأها للإنسان ليكون أفضل المخلوقين، ويكون ممن تنطبق عليه الآية الكريمة: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}، أما اذا أخطأ الطريق، وضل بعيداً فان مصيره الى جهنم وعذاب لا يُطاق، هذا الامتحان هو ما أراده الله –تعالى- للبشر: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}.

كيف نُحبّ؟

هنا يأتي سؤال:

ما هو محور وبنيان الكمال؟

إنه؛ حب الله –تعالى-؟ فكلما ضعف هذا الحب فينا، ضعفت جوانب من كمالاتنا، فلابد من العودة الى حب الله، وأن نغوص فيه.

إن الصرح العظيم الكمالات قائمٌ على أساس حب الربّ –عزّوجلّ-، وقائم على أساس معرفة الله، بمعنى ان الانسان اذا عرف الله، سيُحبه بفطرته، ولا يستطيع ان لا يحبه، لأنه هو الذي رحمه، وهو الذي رزقه، وأعطاه كل شيء. ولكن!

يبرز سؤال آخر: وما هو حب الله؟ وكيف نصل اليه؟

إذا ضعفت فينا حسنة من الحسنات، او تراجع عملٌ صالح من اعمالنا، وضعفت إرادتنا، نعرف ان ثمة نقصاً في هذا الحب، لان المعرفة إن لم تكن كاملة لن يتحقق الحب

إذا ضعفت فينا حسنة من الحسنات، او تراجع عملٌ صالح من اعمالنا، وضعفت إرادتنا، نعرف ان ثمة نقصاً في هذا الحب، لان المعرفة إن لم تكن كاملة لن يتحقق الحب.

جاء رجل الى أحد الأئمة المعصومين، وقال له: يا بن رسول الله، كم أحب صلاة الليل! ولكن لا أتمكن من مغادرة الفراش والنهوض، فالنعاس يغلبني، فقال له الامام: “إنك امرؤ قيدتك ذنوبك”.

الرجل الصالح ينتفض من فراشه ليلاً لأداء صلاة الليل، بالرغم من أن الكثير يرغبون بالنوم لساعات متوالية، حتى أن أحدهم أراه يقفز كما لو ان ثعباناً لدغه، وينهض لأداء صلاة الليل، حتى لا يفوته وقتها، وليس فقط صلاة الصبح.

واذن؛ عندما تكون حياة الانسان غير صالحة، و غير منظمة تراه لا يوفق لصلاة الليل، ولا النوافل، بل حتى يفقد الخشوع في الصلاة الفريضة، يؤديها كما لو كانت عادة يمارسها يومياً.

نبي الله موسى، عليه السلام، كان ذات مرة في طريقه الى مناجاة ربه، رآه رجل وسأله عن مقصده، فقال له: الى مناجاة ربي، فقال له الرجل: ابلغ ربي أنني عشر سنوات أعصيه ولم يعذبني! فلما جاء موسى الى مناجاة ربه، قال له الله ما قال لك الرجل، قال الهي انت اعلم، فقال الله -تعالى-: هذا الرجل المسكين، عشر سنوات سلبته حلاوة مناجاتي، فكانت هذه عقوبته.

فمن لم يجد عنده التوجه الى الله عليه الانتباه الى أنه ثمة مشكلة في حياته، منها مثلاً؛ الصلاة “نقرٌ كنقر الغُراب”، وفي القرآن يقول ربنا: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ}، الامر الذي يدفعنا لأن نكرس حب الله في انفسنا، لنكون على الطريق الصحيح الى ربنا، وهو نفسه طريق كل الكمالات والاعمال الصالحة.

ومما جاء في مناجاة موسى بن عمران: “يا بن عمران: كذب من زعم انه يحبني فاذا جن عليه الليل نام عني ، اليس كل محب يحب خلوة حبيبه بها ، ألا يا بن عمران انا مطلع على احبائي اذا جنهم الليل حولت ابصارهم من قلوبهم ومثلت عقوبتي بين اعينهم، يخاطبونني عن المشاهدة، ويكلمونني عن الحضور، يا بن عمران: هبني من قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ومن عينك الدموع في ظلم الليل فانك تجدني قريباً”.

ففي لحظة يتوجه الانسان؛ اين هو؟ وماذا فعل لله؟ وأين هو من الجنة؟ وأن لا يكون من أصحاب النار، فهم “يخاطبوني عن المشاهدة، ويكملونني عن الحضور”، بمعنى أن قلبهم يقظ، وكأنهم يتحدثون مع الله مباشرة وعياناً.

قال رجل للنبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: علمني شيئاً اذا فعلته أحبني الله، و أحبني الناس، قال له: “ارغب فيما عند الله يُحبك الله، و ازهد فيما عند الناس يُحبك الناس”.

قال رجل للنبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: علمني شيئاً اذا فعلته أحبني الله، و أحبني الناس، فقال له: “ارغب فيما عند الله يُحبك الله، و ازهد فيما عند الناس يُحبك الناس”. بمعنى؛ أنك ارغب بالجنة و برضوان الله، في نفس الوقت لا تفكر بما عند الناس.

وعن الامام الصادق، عليه السلام: خمسة لا ينامون: الهامّ بدم يسفكه، وذو المال الكثير لا أمين له، والقائل في الناس الزور والبهتان عن عرض من الدنيا يناله، والمأخوذ بالمال الكثير ولا ما ل له، والمحب حبيبا يتوقع فراقه”.

قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: “أحبوا الله بما يغدوكم به من نعمة”. لان ثمة أناسٍ يعيشون بعيدين عن نعمة الأمان والصحة والسلامة والحرية، بينما البعض الآخر يتمعون بكل هذا. فالرسول يعلمنا كيف نحب الله: “احبوني لله –عزّوجلّ-، و أحبوا قرابتي لي”.

سلسلة الحب هذه؛ حب الله، وحب الرسول لان الله أمر بحبه، وحب اهل بيته لان النبي الأكرم أمرنا بحبهم، بمعنى؛ أن الطريق لحب الله بالتمسك بالنبي، لان الله يحبه، والتمسك بأهل البيت لان النبي أمرنا، وفي بعض الروايات؛ أن التمسك بالشيعة ومن يحب اهل البيت من الأمور المحببة، لان الائمة امروا بذلك، “موالٍ لمن والاكم، و عدو لمن عاداكم، ومُحبٌ لمن أحبكم”، وهذا جزء من مسؤوليتنا، وهو معيار ومقياس لأعمالنا.

ومن الجدير ان نحفظ هذا الدعاء الوارد في الآية الكريمة: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، لان ما دام الايمان هو العنصر المشترك بيننا وبين إخواننا المؤمنين، ولأننا مؤمنين وجادين في ايماننا في حب الله، فاذا نحب الله فنحن نحب المؤمنين ايضاً، ونتعاون معهم.

  • بصائر مقتبسة من موسوعة “مِن هُدى القرآن” لسماحة المرجع المُدرِّسي (دام ظله).

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا