سؤال جديرٌ يطرح نفسه:
ما هي الصفات المُثلى التي يجب أن تتوفر في كل واحد منّا لنكون جنوداً في هذه المسيرة الإلهية؟
الصفة الأولى: حُبّ الله
ولكن! ما هو الحبّ؟ وكيف يحب الانسان ربه؟
من الطبيعي أن الانسان عندما يحب ربه، فانه –تعالى- يُحبه، ولعل العكس صحيح؛ أن الله –تعالى- يحب الانسان، ومن ثمّ فان هذا الانسان سيُحب ربه.
إن مفهوم الحب، هو تناغم القلب مع شيء أو شخص ما، فربما يحصل التناغم مع المال، فنرى الانسان يحب المال، وربما يحصل مع الوطن والديار، وأمور كثيرة في الحياة.
هنا يبرز سؤال آخر: كيف يتحقق هذا التناغم بين قلب الانسان وربّ العزّة –تعالى-؟ لنا أن نتصور الفارق اللامتناهي بين المخلوق الصغير، وخالق السموات والأرضين!
ثم إن لله أسماء وصفات يتّسم بها، وهي عظيمة وسامية، مثل؛ الرحمن، الرحيم، الغفور، الحليم، الكريم، وأسماء الله الحسنى كثيرة، فعندما يتخلّق الانسان بأخلاق الله، يتحقق التناغم بين قلبك وبين ربك، فهو –تعالى- رحمن، فعلى الانسان ان يكون رحيماً، وهو –تعالى- كريماً، فعلى الانسان المُحب ان يكون كريماً مع الناس.
ومن هذا يتفرّع سؤال آخر: كيف نحقق هذا التناغم يا ترى؟
للإجابة على هذا السؤال نعود الى ما حصل في اللحظات الأولى من خلق آدم، عليه السلام، عندما أمر الله –تعالى- الملائكة بالسجود لآدم كونه يحمل روح الله {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}، بالمقابل على الانسان ان يستثمر أية فرصة لبناء نفسه وشخصيته عبر تجسيد تلك الصفات الإلهية المودعة في فطرته خلال معاشرته الناس، وسلوكه الفردي والاجتماعي طوال حياته.
ليس من الصعب الوصول الى القمة النهائية السامية اذا ما كان الانسان جادّاً في المسير، وحَظِي بتوفيق من الله –تعالى-، لذا نحن دائماً نعلن استعانتنا بالله دون غيره في كل حركة وعمل نقوم به
ومع تقادم الأيام والسنين من عمر الانسان، يكون قد تقدم خطوات في علاقته مع ربه الى درجة ان يكون المخاطب بالآية الكريمة: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}، وهذه قمة الحب لله –تعالى-.
الاستعانة بالله للوصول الى القمة
ليس من الصعب الوصول الى هذه القمة النهائية السامية اذا ما كان الانسان جادّاً في المسير، وحَظِي بتوفيق من الله –تعالى-، لذا نحن دائماً نعلن استعانتنا بالله دون غيره في كل حركة وعمل نقوم به، كما أننا نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فهو –تعالى- الذي {يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً}، عندما يقوم الانسان الى صلاة الفجر ويصلي ويتهجّد ويتضرع فان الله –تعالى- بالمقابل يجذبه اليه ويوفقه في أعماله، {وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً}.
في أي شيء يتجلّى حبّ الله؟
يتجلّى هذا الحب في طاعة الله –تعالى-، وهذه الطاعة تتجلّى في طاعة رسول الله، وطاعته، صلى الله عليه وآله، تتجلّى في طاعة الأئمة المعصومين من بعده، وطاعتهم تتجسد في طاعة الفقهاء.
والآية القرآنية صريحة في هذا المجال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
وفي رواية عن الامام الصادق، عليه السلام، يقول: “ومن سره أن يعلم أن الله يحبه فليعمل بطاعة الله وليتبعنا، ألا يسمعون قول الله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} والله – يُقسم الامام الصادق- لا يطيع الله عبداً إلا أدخل الله عليه في طاعته اتباعنا، ولا والله لا يتبعنا عبدٌ إلا أحبه الله، لا والله؛ لا يدع احدٌ اتباعنا ابداً إلا أبغضنا، ولا و الله لايبغضنا احدٌ ابداً إلا عصا الله، ومن مات عاصياً لله أخزاه الله و اكبه على وجهه في النار”.
وقد حصل أن انحسر الغيث عن المسلمين في عهد الامام زين العبادين، عليه السلام، فخرج الناس لصلاة الاستسقاء، فصلوا وتضرعوا ولكن السماء بقيت زرقاء دون تغيير، فجاء الامام، عليه السلام، وقال: “الهي؛ بحبك لي…”! واذا السماء تتلبد بالغيوم وانهمر الغيث، بمعنى أن الامام السجاد كان وثقاً من حب الله –تعالى- له.
وهذا ما ينبغي أن نكون عليه في حياتنا.
_______________
مقتبس من محاضرة لسماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي.
