الهدى – متابعات ..
تكشف فصول جديدة من قصة “ثروة العراق المنسية”، فمن أزقة مقديشو إلى شوارع مدريد، ومن حقول الشاي الخضراء في فيتنام إلى القصور الفاخرة المطلة على المتوسط في مدينة كان الفرنسية، يمتد نطاق واسع من الممتلكات العراقية المفقودة التي تقدر قيمتها بنحو 90 مليار دولار أمريكي. وهذه الثروة، التي كانت في يوم من الأيام رمزًا لنفوذ العراق الاقتصادي واستثماراته الدولية، أصبحت الآن مجرد كنز منسي، حبيس ملفات بلا أرشيف، وعقود بلا وثائق، وممتلكات بلا أسماء، في إهمال يثير تساؤلات جدية حول مصير أصول العراق في الخارج.
مصفاة مقديشو تكشف جبل الجليد
وفي لحظة دبلوماسية نادرة، فجّر الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، مفاجأة مدوية في القمة العربية التي استضافتها بغداد في مايو/ ايار 2025. حيثكشف الرئيس الصومالي أن مصفاة نفطية عراقية كبيرة ما تزال قائمة في ضواحي العاصمة مقديشو، رغم اختفائها من الذاكرة الرسمية العراقية منذ سقوط نظام صدام في عام 2003. وهذه الواقعة لم تكن سوى قمة جبل الجليد لملف أوسع وأكثر تعقيدًا: ملف الممتلكات العراقية الموزعة حول العالم، التي فقدتها الدولة على مدى عقدين في صمت يوازي أهميتها الاقتصادية.
أصول العراق المنسية: قصور ومزارع ومصانع
وتشير معلومات من مصادر دبلوماسية رفيعة إلى أن للعراق ما لا يقل عن 50 عقارًا ومشروعًا استثماريًا موزعًا في أوروبا وآسيا وأفريقيا. وهذه الأصول تشمل قصورًا فخمة، مزارع، مصارف، مكاتب تجارية، ومصانع استراتيجية.
ففي أوروبا وحدها، تمتلك بغداد أصولًا عقارية في إسبانيا، فرنسا، بريطانيا، وإيطاليا، بعضها يقع في مواقع فاخرة مثل مدينة “كان” الفرنسية.
أما في آسيا، فتشمل الأصول مزارع شاي، أرز، مطاط، وتبغ في ماليزيا وسريلانكا وفيتنام. وفي أفريقيا، تبرز أملاك في الصومال، نيجيريا، وموزمبيق، من بينها جزر سياحية ومصانع زراعية.
وهذه الأصول كانت جزءًا من سياسة اقتصادية توسعية انتهجها العراق خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين وظّف عائدات النفط في شراء أصول استراتيجية حول العالم لتعزيز مكانته الاقتصادية والدبلوماسية.
عقدان من الإهمال والتهديدات
وبعد سقوط النظام في عام 2003، دخل هذا الملف دوامة من الإهمال والضياع. فقد كشفت لجنة النزاهة البرلمانية أن وثائق ملكية أساسية قد سُرقت أو أُتلفت، وأن بعض العقارات نُقلت إلى أسماء أشخاص أو شركات وهمية تابعة للنظام السابق أو لشبكات مرتبطة به، فيما بقيت أخرى دون متابعة تذكر.
وفي عام 2012، أرسلت وزارة الخارجية العراقية وفدًا إلى موزمبيق لتفقد أحد الأصول المملوكة للدولة هناك، يُعتقد أنه قصر على جزيرة سياحية. لكن الرحلة لم تكتمل، إذ تلقى أعضاء الوفد تهديدات مباشرة من جماعة مسلحة تسيطر على الموقع، ما أجبرهم على الانسحاب الفوري من البلاد. وكانت تلك من أولى المحاولات الجادة لاستعادة الأملاك العراقية في الخارج، لكنها انتهت بالفشل، لتظل الأملاك تحت سيطرة أطراف لا تعترف بملكية بغداد.
تحرك حكومي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
لكن الإعلان المفاجئ لمصفاة مقديشو أعاد ترتيب الأوراق. فوفق ما نقلته الرئاسة الصومالية لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، فإن المصفاة لا تزال قائمة وتحتاج فقط إلى تأهيل فني لإعادتها للعمل، في وقت تبدأ فيه الصومال اكتشاف احتياطيات نفطية بحرية.
وصدمة بغداد بهذه المعلومة دفعت الحكومة إلى تشكيل لجان متخصصة قانونية وفنية لمتابعة هذا الملف المنسي، ليس فقط في الصومال، بل في كافة الدول التي قد تحتوي على أملاك مفقودة. وتم تكليف وزارات النفط، الخارجية، والعدل بتنسيق الجهود، بما يشمل إعادة تسجيل الملكيات، وتسوية أوضاعها الضريبية، والتحقق من صلاحية الوثائق المتبقية.
تحديات قانونية واقتصادية
ويقترح خبراء القانون الدولي اللجوء إلى محكمة العدل الدولية أو إبرام اتفاقيات ثنائية مع الدول المعنية، لتثبيت الحقوق القانونية للعراق في تلك الممتلكات. كما شددوا على ضرورة ملاحقة الأفراد والجهات التي ثبت تورطها في نقل أو إخفاء تلك الأملاك، سواء داخل العراق أو خارجه، عبر إصدار مذكرات قضائية دولية، والعمل مع الإنتربول في حال توفر الأدلة الكافية.
وفي بلد يواجه تحديات اقتصادية متزايدة وتراجعًا في موارد النقد الأجنبي، يعتبر كثير من المختصين هذا الملف فرصة مالية كبيرة تم إهمالها لسنوات. وتقديرات أولية تشير إلى أن قيمة تلك الأصول تتراوح بين 80 إلى 90 مليار دولار. ويعتقد اقتصاديون أن استعادة حتى جزء بسيط منها أو استثمارها بشكل صحيح يمكن أن يدرّ مداخيل مستدامة لدولة تعتمد في موازناتها بشكل شبه حصري على صادرات النفط الخام.
ولكن، ورغم المؤشرات الإيجابية الأخيرة، لا تزال التحديات قائمة. فبعض الأصول قد تكون خضعت لقوانين تقادم في البلدان المضيفة، أو تعرضت لتصرفات قانونية شرّعت ملكية أطراف أخرى بعد غياب العراق عن المشهد لعقدين. وبالإضافة إلى ذلك، هناك خشية من تدخلات سياسية داخلية قد تعرقل جهود الاسترداد، خاصة في حال ارتبطت الأملاك الحالية بمصالح متنفذين أو بعقود قديمة يصعب إلغاؤها دون الدخول في نزاعات قضائية معقدة.
فهل ستنجح الحكومة العراقية في استعادة هذه الثروة المنسية وتحويلها إلى رافد اقتصادي مهم للبلاد؟
