أقرَّ علماء القانون في العالم بعدم كفاية تشريعاتهم لإلزام الانسان بما يجب، لأن التنفيذ هنا يأتي انطلاقاً من عوامل خارجية، في مقدمتها؛ العقاب، واذا ما حصل غياباً لهذا القانون، لأي سبب كان، فان الانسان سيعود الى ما تكنه نفسه من طباع وعادات تربّى عليها، ولذا بدأ العلماء والحكماء بالبحث عن شيء آخر يلامس تلك الجذور النفسية المؤثرة على السلوك الفردي، الا وهو؛ الايمان.
ليس في العراق، وحسب، إنما في معظم بلاد العالم، يشكو الناس من عدم احترام قانون المرور بشكل طوعي وذاتي، وجميلٌ ما سمعته من أحد الأصدقاء بأن “اذا اردت معرفة شعب ما لدى زيارتك له فانزل في الشارع”، وفي العراق اليوم نلاحظ حوادث مرورية مريعة هذه الأيام تحصد أرواح العشرات يومياً، علماً أن العراقيين معروفون بتدينهم والتزامهم بالأخلاق والأعراف الاجتماعية ذات البعد الإنساني، بيد أن عوامل مستجدة تسببت في غفلة البعض عن الجذور والأصول، منها؛ طغيان المال، والغرور، وحب الأنا، فعندما يتاح لشريحة واسعة من العراقيين اقتناء السيارة او الدراجة النارية، مع محفزات مغرية بموديلات وماركات عالمية، وضخ غير طبيعي من التجار دون رقابة حكومية للتناسب بين عدد السيارات المستوردة والقدرة الاستيعابية للمدن، فمن الطبيعي أن تكون السيارة والدراجة أداة موت رهيبة في كل لحظة.
نحن في العراق نعيش قوانين المرور رغم وجود ما مكتوب، حاله من حال قوانين مكتوبة كثيرة دون ان تلامس التطبيق، وبغض النظر عن أسباب هذا الغياب، ومن يقف خلف “الفوضى الخلاقة” منذ الإطاحة بنظام صدام؟! يجدر بأبناء الشعب العراقي الذي أثبت أخلاقه الاجتماعية مع الوافدين من مختلف انحاء العالم بكرمه، واحترامه، واندماجه، أن يثبت ايضاً؛ احترامه لقيمه وثقافته، وأن لا يتصاغر أمام قطعة حديدية اسمها “سيارة”، ويجعلها فوق الأخلاق والإنسانية، مع التأكيد على أن هذه القيم متأصلة وموجودة في الشارع بنسبة معينة، ففي التقاطعات يخفف البعض السرعة ليمرّ الآخر، او التخفيف لعبور المشاة، وهذه ظاهرة إيجابية نشكر الله على وجودها.
بيد أن ظواهر سلبية نراها تهدد الثقافة الاجتماعية العامة، ربما تكون سبباً في تسمم الاذهان والعقول بسبب التفاوت الطبقي، وطغيان المال، وحتى الجاه والمنصب، فالشاب الذي يقود مركبة فارهة ربما بسعر منزل كبير، وهو ينتمي لعائلة معروفة، او ابن شخصية مرموقة، فانه لن يلتفت الى شيء اسمه قيم أخلاقية أو إنسانية، انما سينظر الى نفسه وما حوله فقط، وهذا من شأنه خلق ردود فعل بالمقابل ممن يتضرر من هذا السلوك فنكون امام بذور الانتقام –لا قدّر الله- وهي نهاية غير سعيدة للمجتمع.
يجدر بأبناء الشعب العراقي الذي أثبت أخلاقه الاجتماعية مع الوافدين من مختلف انحاء العالم بكرمه، واحترامه، واندماجه، أن يثبت ايضاً؛ احترامه لقيمه وثقافته، وأن لا يتصاغر أمام قطعة حديدية اسمها “سيارة”، ويجعلها فوق الأخلاق والإنسانية
بلى؛ الجميع يتحدث عن القانون والعقاب لردع مثل هكذا ظواهر، ولا جدال في هذا ابداً، وهو مبدأ يقرّه الدِين وقيم السماء، والله –تعالى- في الوقت الذي يحثنا على فعل الخير واتخاذ سبل الفلاح والصلاح مع حوافز الرضوان والجنان، فانه يحذرنا من مغبة العصيان وما يستتبعه من نيران جهنم وعذاب أليم يوم القيامة.
ولكن، اذا غاب القانون، او تأخر المشرّعون، هل توقف التجار عن استيراد السيارات والدراجات؟ وهل انتفت الحاجة الى السيارة مع دخول عشرات الآلاف من الشباب والشابات الى سوق العمل والوظيفة؟ وهل يجب ان نبرر الفوضى ونجعلها امرا طبيعيا في الشارع؟!
إن الحياة تسير بوتيرة سريعة جداً، مما يجدر بنا مواكبة هذه السرعة بإجراءات اكثر سرعة لوضع حد لحوادث السير القاتلة يومياً في البلاد، من خلال تحكيم الأخلاق واحترام الآخر، والالتزام بإلقوانين المروية المعروفة في كل مكان بالعالم، وأبسطها؛ إشارة الانعطاف الى اليمين او اليسار، والالتزام بالسايد المحدد وعدم التنقل منه الى آخر بشكل مفاجئ بغية تحقيق السبق على الآخرين، والأهم من كل هذا؛ الحذر من السير عكس الاتجاه، وهذا يصدق بشكل أكثر على الدراجات والعجلات الصغيرة (التكتك) و(الستوتة) لاعتقاد صاحبه بإمكانية المناورة السريعة للوصول الى الاستدارة، بينما حركة السيارات من الاتجاه المعاكس ربما تكون بشكل يصعب عليه تحاشي الاصطدام بها، فتكون الكارثة كما حصل مع دراجة نارية راح ضحيتها الأب والابن.
ومن أهم الإجراءات الممكنة؛ إدانة الفوضوي والمغرور في الشارع على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الشارع ايضاً، لا ان يكون قدوة يتعلم منه الآخرون، ويتحول الى أمر واقع، فهذه نار إن لم نسعَ لإطفائها فان دخانها سيعمي عيون الجميع.
