إضاءات تدبریة

التَّوبَة.. بابُ أملٍ وَطريقُ إصلاحٍ  (2) التوبة النصوح

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُيَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيِهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{.(سورة التحريم، الآية:8).

ما هي التوبة النصوح؟

هنا في الدنيا عندما يواجه الإنسان حقيقة رهيبة أو مسؤولية ثقيلة، يحاول أن يتهرب منها بالخداع الذاتي، فتراه يلتمس الأعذار والتبريرات، ويتحصن وراء الأوهام والظنون، كلا؛ إنها لا تفيده هنالك في الآخرة شيئا، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. (سورة التحريم، الآية:6).

ومادام جزاء الآخرة هو عمل الإنسان في الدنيا ذاته، فلا معنى للعذر إذن، وكيف يتخلص الإنسان مما هو جزء من ذاته؟

وفي الآية الكريمة إيحاء بأن عدم استعداد الكفار للآخرة ولقاء الله، نتيجة طبيعية لكفرهم بها، وينبغي أن تكون هذه التذكرة باعثاً نحو المبادرة إلى التوبة في الدنيا قبل فوات الأوان، توبة صادقة كأروع ما تكون التوبة، فإن ذلك وحده الاعتذار الذي يقبله الله‏ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا}، بالندم على ما فات، والعزم على ترك الذنب، وإصلاح آثاره السلبية؛ نفسية واجتماعية واقتصادية وغير ذلك، والاجتهاد في الصالحات.

هكذا سأل أحمد بن هلال، الإمام الهادي، عليه السلام، عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ مَا هِيَ؟ فَكَتَبَ عليه السلام: “أَنْ يَكُونَ الْبَاطِنُ كَالظَّاهِرِ وأَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ‏”. (1) وقال الإمام الصادق، عليه السلام: “هُوَ صَوْمُ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ والخَمِيسِ والجُمُعَةِ”. (2) ، لأن العمل الصالح جزء من التوبة، وقال الإمام أبو الحسن عليه السلام: “يَتُوبُ الْعَبْدُ مِنَ الذَّنْبِ ثُمَّ لَا يَعُودُ فِيهِ‏”. (3). وقال رسول الله، صلى الله عليه واله، عن التوبة النصوح: “أَنْ يَتُوبَ التَائِبُ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ فِي ذَنْبٍ كَمَا لَا يَعُودَ اللَّبَنُ إِلَى الضَّرْع‏”. (4)

التوبة تمحو السيئات

هذه التوبة هي التي يقبلها الله فيعفو عن سيئات الإنسان بها ويدخله جنات النعيم يوم القيامة، {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}. حقًّا: إن التائب عن صدق يُرجى له أن تتحول ذنوبه من عقدة سيئة تعيق مسيرته نحو التكامل، إلى دافع قوي نحو الخير والفضيلة، كما أن الله –سبحانه- يمحو من ديوانه السيئات، فلا يطلع عليها أحدا حتى أقرب المقربين إليه، قال معاوية بن وهب: سَمِعْتُ أَبَي عَبْدِ الله، عليه السلام، يَقُولُ: “إِذَا تَابَ الْعَبْدُ تَوْبَةً نَصُوحاً أَحَبَّهُ الله فَسَتَرَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا والْآخِرَةِ، فَقُلْتُ وكَيْفَ يَسْتُرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ عليه السلام: يُنْسِي مَلَكَيْهِ مَا كَتَبَا عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ، ويُوحِي إِلَى جَوَارِحِهِ اكْتُمِي عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، ويُوحِي إِلَى بِقَاعِ الْأَرْضِ اكْتُمِي مَا كَانَ يَعْمَلُ عَلَيْكِ مِنَ الذُّنُوبِ، فَيَلْقَى الله حِينَ يَلْقَاهُ ولَيْسَ شَيْ‏ءٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الذُّنُوبِ‏” (5)، فلا يبقى سبب يدخل به النار، وفوق هذا كله يدخله إلى رضوانه ونعيمه في الجنان‏، {وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} وتأكيد الله –تعالى- على الجنات، ليزرع في الإنسان المؤمن إرادة التحدي للشهوات ولزخارف الدنيا الزائلة، حيث يتطلع إلى النعيم الأعظم كمًّا ونوعًا في الآخرة.

التوبة النصوح هي العزم على الإستمرار في التوبة حتى النهاية، وهي التوبة التي أمر الله -تعالى- الإنسان المؤمن بها، وهي التي من الممكن أن يمحو الله بها الذنوب والسيئات

وبكلمة؛ إن الله –سبحانه- بعد الأمر بالتوبة النصوح والدعوة إليها لم يقل جزما: {رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيئَاتِكُمْ} إنما أضاف‏ {عَسَى} التي تفيد الترجّي، فالنتيجة المترتبة قد تكون، وقد لا تكون حسب المفهوم الظاهر للكلمة، وذلك لكيلا يتسرب إلى أفئدة المؤمنين الغرور والعُجب، فيكون الاعتماد منهم على التمنيات بغفران الله بدل السعي والعمل‏، يقول رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلّم: “التائب إذا لم يستَبِنْ أثر التوبة فليس بتائب: يُرضي الخصماء، ويعيد الصلوات، ويتواضع بين الخلق، ويتقي نفسه عن الشهوات، ويهزل رقبته بصيام النهار”. (6).

فحري بنا أن نفتح بالتوبة صفحة جديدة طاهرة لعلاقتنا بالله وبأنفسنا وبالمجتمع وبجميع المسؤوليات الملقاة على عواتقنا، فحينما نعلم أن الله تعالى تاب علينا وغفر لنا ذنوبنا، علينا بذل المزيد من الجهد لإستئناف الحياة من جديد، ونحرص على أن لانعود مرة أخرى لارتكاب المعاصي.

وببالغ الأسف أقول: ان كثيراً من الناس يتوبوا يوماً ويذنبون في يوم القابل، وهكذا تراهم بين توبة وذنب، فلا يدرون كيف ستنتهي حياتهم، أو على الأقل لم يصمموا على ماذا ستكون نهايتهم في الدنيا، غافلين عن الحقيقة الدينية القائلة بأن مصير كل إنسان في الآخرة منغلق باللحظة الأخيرة من حياته في الدنيا، فإن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر، والعياذ بالله.

 إن التوبة النصوح هي العزم على الإستمرار في التوبة حتى النهاية، وهي التوبة التي أمر الله -تعالى- الإنسان المؤمن بها، وهي التي من الممكن أن يمحو الله بها الذنوب والسيئات، كما صرحت به الآية المباركة متقدمة الذكر، فالتوبة النصوح تمحو الماضي المقيت، وتسمح للمؤمنين في يوم القيامة بحمل صفحاتهم بيضاء دون لوث، والتوبة النصوح نور يسعى بين يدي المؤمنين وبأيمانهم يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه، لينقذهم من ظلمات يوم القيامة التي ستعم الجميع بإستثنائهم، وذلك النور كانوا قد ادخروه عبر أعمالهم الصالحة وعبر عزائمهم الراسخة، بالتوجه إلى الله وحده لا شريك له، وعبر ما خاضوه من حياة طاهرة مطهرة متطورة في جادة الصلاح والإصلاح.

لِمَن التوبة؟ وكيف؟

قد يعيش الانسان حالة ارتكاب الذنوب، والعيش في الغفلة، فان مات قبل ان يذنب مرة اخرى وهو تائب، مُحيت ذنوبه السابقة، فلا يموت الا وهو طاهرٌ، مُطهّر، ومن ختم الله -جلت قدرته- له بخير دخل الجنة، ولذلك فان الانسان لايستطيع ان يضمن نهايته إلا من خلال التوبة المستمرة الى الله -سبحانه وتعالى-  فعليه ان يتذكر الله ، ويتوكل عليه كلمـا طاف به طائف من الشيطان لكي لايموت على الذنب – والعياذ بالله- ، بل يموت طاهرا مطهـرا.

هناك صنفان من الناس: صنف يتوب بسبب روحه الإيمانية، وتذكره عذاب الله وخوفه وتقواه، وصنف لا يتوب إلا بعد اضطراره إلى التوبة

فكلٌّ منّا يتعرض في هذه الدنيا الى ضغوط الاهواء والشهوة من الداخل، والمجتمع من الخارج، والشيطان من الداخل والخارج معاً، فلا يدعه كل ذلك يعيش نقياً طاهراً من الذنوب، وعلى سبيل المثال فإن الانسان وهو يعيش حالة الغفلة يرتكب بجهالة، سيئات وذنوباً كثيرة كالغيبة والتهمة وسوء الظن بالآخرين، وسائر الذنوب و الصفات السيئة، ومنها القذف والتهمة بالسقطات الجنسية، فهي تكثر في المجتمع، ويمارسها كثير من الناس في بعض فترات حياتهم، لذلك فقد استمال القرآن المؤمنين ودعاهم إلى المسارعة الى التوبة، قال تعالى: }إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا{. (سورة النساء، الآية:17)، ثم قال سبحانه: }وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ{. (سورة النساء، الآية:18).

فهناك صنفان من الناس: صنف يتوب بسبب روحه الإيمانية، وتذكره عذاب الله وخوفه وتقواه، وصنف لا يتوب إلا بعد اضطراره إلى التوبة، فهي تقبل فقط من الصنف الأول، وليس هناك صنف ثالث، ذلك لأن الذين يُسوِّفون التوبة ويؤجلونها من يوم لآخر، إنهم لا يضمنون حياتهم حتى يتوبوا قبل موتهم بأيام مثلًا، كلا بل لا يصدّقون بالموت إلا حين يحضرهم فعلًا، وهناك لاتنفعهم التوبة، ومثل هؤلاء مثل الكفار الذين يؤمنون قبل موتهم بلحظات، ولذلك ساقهم القرآن بعصاً واحدة مع الكفار فقال: }وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا{. (سورة النساء، الآية:18).

 

______________________

بصائر مقتبسة من موسوعة “مِن هُدى القرآن” لسماحة المرجع المُدرِّسي(دام ظله).

المصادر

1- وسائل الشيعة: ج ،16 ص: 76.

2- وسائل الشيعة: ج 16، ص: 78.

3- الكافي: ج 2، ص: 632.

4- مجمع البيان: ج 10، ص: 62.

5- الكافي ج2ص:430.

6-ميزان الحكمة ص: 548.

عن المؤلف

إعداد: نعمان التميمي

اترك تعليقا