الهدى – متابعات ..
التلوث الضوضائي في العراق: خطر بيئي وصحي يهدد الحياة اليومية
يشكّل التلوث الضوضائي في العراق أحد أخطر أشكال التلوث البيئي التي تهدد صحة المواطنين وتوازن البيئة، إذ تجاوزت مستوياته الحدود الآمنة وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. هذا الوضع يستدعي تدخلات سريعة للحد من آثاره المتنامية على الحياة اليومية والصحة العامة.
صباحات صاخبة وأصوات لا تنتهي
ويستقبل العراقيون صباحاتهم في معظم الأيام بأصوات صاخبة ومتداخلة، تُصنّف ضمن أشكال “التلوث الفيزيائي” وتحديدًا “التلوث الضوضائي”.
وتبدأ رحلة المواطن اليومية من محل سكنه إلى مكان دراسته أو عمله، ليواجه خلالها موجات من الأصوات المزعجة التي لا تقل حدة عن أصوات العيارات النارية، أبرزها عوادم السيارات والدراجات النارية التي تملأ الشوارع.
وحتى عند حلول الظهيرة، لا يجد المواطن الراحة المرجوة في منزله، فالضجيج يلاحقه حتى غرف النوم؛ فالباعة المتجولون يستخدمون مكبرات الصوت، تليهم أصوات سيارات بيع الغاز، ثم مركبات جمع النفايات، ليكتمل مشهد يومي يفتقر للهدوء.
تجاوز المستويات العالمية وتأثيرات خطيرة
وأكد رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، الدكتور فاضل الغراوي، أن التلوث الضوضائي في العراق لا يقل خطورة عن تلوث الهواء.
وبيّن أن أجهزة قياس الضوضاء في العاصمة بغداد سجلت نسبًا تتجاوز المعدلات المسموح بها من قبل منظمة الصحة العالمية.
وقال الغراوي إن “أجهزة التحسس التابعة للمنظمة سجلت مستويات من التلوث الضوضائي تراوحت بين 37.5 إلى 76 ديسيبل، وهو ما يفوق الحد المسموح به في المناطق السكنية والمحدّد بين 45 إلى 55 ديسيبل“.
أسباب تفاقم الأزمة
وعزا الغراوي هذه الزيادة إلى عدة عوامل رئيسية، منها: ارتفاع معدلات النمو السكاني، انتشار الورش والمعامل داخل المناطق السكنية دون مراعاة الاشتراطات البيئية، تضخم أعداد السيارات التي يستخدم بعضها منبهات ومضخمات صوتية أو أنابيب عادم معدّلة (مخرومة)، انتشار المولدات الكهربائية غير المزوّدة بكواتم للصوت، وأخيرًا ضوضاء الطائرات.
وأشار إلى أن تقارير منظمة الصحة العالمية توصي بألا يتجاوز الحد الأقصى للتعرض اليومي للضوضاء 85 ديسيبل لمدة أقصاها ثماني ساعات، محذرًا من أن تجاوز هذا الحد قد يؤدي إلى أضرار صحية جسدية ونفسية خطيرة.
تداعيات بيئية وصحية واسعة
بدوره، أوضح الخبير البيئي ثائر يوسف أن التلوث الضوضائي يؤثر سلبًا على التوازن البيئي، مشيرًا إلى أن “الأحياء المائية التي تعتمد على تحديد الموقع بالصدى تتعرض للارتباك، كما أن الحشرات الملقحة تهرب من مناطق الضوضاء، مما يؤثر سلبًا على عمليات التلقيح”.
وأضاف أن “الضوضاء تؤثر كذلك على التربة من خلال إرباك حركة جزيئاتها والتسبب بتدمير مساميتها”.
من جانبها، حذّرت اختصاصية الأنف والأذن والحنجرة، الدكتورة آية قتيبة عبد الإله، من الأضرار الصحية المرتبطة بالتلوث الضوضائي، مؤكدة أن “التعرض المستمر للأصوات المرتفعة قد يؤدي إلى فقدان تدريجي أو مفاجئ في السمع، لا سيما في حالات الانفجارات أو الضوضاء الشديدة”.
وأضافت أن التلوث الضوضائي “يسبب الصداع والتوتر والقلق بسبب تنشيط الجهاز العصبي باستمرار، كما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم ومشكلات في القلب نتيجة إفراز الجسم لهرمونات التوتر”. ولفتت إلى أن اضطرابات النوم وطنين الأذن من الآثار الشائعة أيضًا. وأشارت إلى وجود “عدد كبير من الحالات الموثقة سريريًا لأشخاص فقدوا حاسة السمع كليًا أو جزئيًا نتيجة تعرضهم المستمر للضوضاء، خاصة في أماكن العمل غير المحمية”، مؤكدة أن دراسات طبية عديدة أثبتت العلاقة المباشرة بين الضوضاء وفقدان السمع.
حلول مقترحة لمواجهة الأزمة
ودعا الخبير البيئي ثائر يوسف إلى اتخاذ خطوات للحد من هذه الظاهرة، منها: إعادة تنظيم توزيع المجمعات السكنية وتقليل الكثافة السكانية، زيادة مساحة الحدائق على حساب البناء بحيث تُخصص 200 متر مربع كمساحات خضراء لكل 100 متر مربع من البناء، زراعة مصدات الأشجار لتعمل كحواجز صوتية على جوانب الطرق خاصة في المناطق القريبة من المدارس والمستشفيات، نقل المصانع والورش خارج المدن، وأخيرًا بناء المطارات بعيدًا عن التجمعات السكنية.
ويتطلب هذا التحدي البيئي والصحي تضافر جهود جميع الجهات المعنية للحد من آثاره وتوفير بيئة أكثر هدوءًا وصحة للمواطنين في العراق.
