إضاءات تدبریة

التَّوبَة: بابُ أملٍ وَطريقُ إصلاح (1) ماذا تعني التَّوبَة؟

فهي ربما تكون بين العبد وربه –سبحانه-، مثل ترك الواجبات، وفعل المحرمات، وربما تكون بين المرء والناس، مثل القتل والسرقة وغصب الأموال، والغيبة، وما إلى ذلك.

أصل التوبة هو الرجوع، وحقيقتها الندم على القبيح والتنصل من الذنب، وذلك بالإقرار والاعتراف به، والتحسر على ارتكابه، والعزم على ترك معاودته إن أمكنت المعاودة. فلا يعود التائب إلى مثله، وقد اتخذ القرار بالتزام الطاعة، وترك ارتكاب الذنوب والسيئات والمعاصي من أعماله. ومحو آثارها وإصلاح ما أفسدته؛ ماديًا كان أو معنويًا، بين العبد وربه سبحانه، أو بينه وبين العباد، وإحلال الصالحات والخيرات محلها، فيكفر عن كل معصية وسيئة بما يقابلها ويلائمها من الطاعة والحسنات.

وتسمى التوبة أوبة، لأنها عودة إلى الفطرة السليمة بعد الانحراف عنها، قال تعالى: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا}. (سورة الإسراء، الآية: 25). و”أواب” من “آب”، بمعنى رجع، أي كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والتذكر. وقال تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ}. (سورة ق، الآية: 31-32).

فالتوبة في حقيقتها هي عملية إعادة الاتصال بين العبد وربه تعالى، يقول سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (سورة آل عمران، الآية: 135).

التوبة بابٌ إلى محبة الله

يسر سبحانه طريق الإنابة إليه، فدعا عباده إلى التوبة وحببها إليهم، لأنه –تعالى- يحبها لهم، ففتحها لجميع عباده، ومنهم العصاة، بواسع أبواب رحمته وعظيم عطفه وعفوه ورأفته ومنه.

يقول الإمام زين العابدين، عليه السلام، في الصحيفة السجادية، في مناجاة التائبين: “إلهِي أَنْتَ الَّذي فَتَحْتَ لِعِبادِكَ بَابَاً إلَى عَفْوِكَ سَمَّيْتَهُ التَّوْبَةَ، فَقُلْتَ: {تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحَاً}، فَما عُذْرُ مَنْ أَغْفَلَ دُخُولَ الْبابِ بَعْدَ فَتْحِهِ”؟! ويقول، عليه السلام، في دعائه في الاعتراف، وطلب التوبة إلى الله –تعالى-: “سُبْحَانَك لاَ أَيْأَسُ مِنْكَ وَقَدْ فَتَحْتَ لِيَ بَابَ التَّوْبَةِ إلَيْكَ”.

والتوبة درجة ومنزلة عظيمة يجب أن يدعو كل إنسان ربه –سبحانه- أن يصل إليها وينالها. يقول الإمام زين العابدين، عليه السلام، في دعائه المأثور في أسحار ليالي شهر رمضان المبارك، وهو يبتهل إلى الله –سبحانه-: “وَانْقُلْني اِلى دَرَجَةِ الَّتوْبَةِ اِلَيْكَ”.

التوبة درجة ومنزلة عظيمة يجب أن يدعو كل انسان ربّه –سبحانه- أن يصل اليها وينالها. يقول الأمام زين العابدين، عليه السلام، في دعائه المأثور في أسحار ليالي شهر رمضان المبارك، وهو يبتهل الى الله –سبحانه-: “وَانْقُلْني اِلى دَرَجَةِ الَّتوْبَةِ اِلَيْكَ”

كما أنها تأخذ بيد التائبين للفوز بحب الله –سبحانه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (سورة البقرة، الآية: 222). وعن نبي الرحمة، صلى الله عليه وآله وسلم: “ليس شيء أحب إلى الله من مؤمن تائب، أو مؤمنة تائبة”. وعنه أيضًا، صلى الله عليه وآله وسلم: “التائب حبيب الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له”.

ويقول الإمام زين العابدين، عليه السلام، في أحد أدعية الصحيفة السجادية: “و أوجب لي توبة توجب لي محبتك”، ويقول في دعاء آخر: “وَقَدْ قُلْتَ يَا إلهِي فِي مُحْكَمِ كِتابِكَ إنَّكَ تَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِكَ، وَتَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ، وَتُحِبُّ التَّوَّابِينَ، فَاقْبَلْ تَوْبَتِي كَمَا وَعَدْتَ وَأعْفُ عَنْ سَيِّئاتِي كَمَا ضَمِنْتَ، وَأَوْجِبْ لِي مَحَبَّتَكَ كَمَا شَـرَطْتَ، وَلَكَ يَا رَبِّ شَـرْطِي أَلاّ أَعُودَ فِي مَكْرُوهِكَ، وَضَمَانِي أَلاّ أَرْجِعَ فِي مَذْمُومِكَ، وَعَهْدِي أَنْ أَهْجُرَ جَمِيعَ مَعَاصِيكَ”.

وهكذا في الأحاديث عن أهل البيت، عليهم السلام، بيان لمدى حب الله ـ جلَّت قدرته ـ للتوبة، ولعبده التائب، منها؛ ما يصوّر توبة العبد ويمثّلها برجُلٍ بَدَوي يقطع الصحراء وفيافيها، ومِثله معرّض للهلاك في هذا الطريق، وهو لا يملك الا إبلِه فإذا ما عطش شرب من لبنها، واذا ما جاع أكل شيئا من شحمها، لأن العرب كانوا يأكلون من الإبل وهي حية أثناء ركوبها، ثم يصادف ان يضيع هذا البدوي إبله في ليل الصحراء المظلم بعد ان فكّ عِقالها، وإذا ما ضاعت هذه الإبل فإن هذا يعني ان على هذا البدوي ان ينتظر موته البطيء، والهلاك ان لم يعثر عليها، ولذلك فإن هذا البدوي يبدأ في الليل بالبحث عن إبله علَّه يجدها، وكم ستكون فرحته عظيمة عندما يظفر بها.

ومع ذلك فإنّ الله -جلَّت قدرته أشد فرحاً عندما يرى عبده يعود إليه تائبا خاضعاً، حيث روي عن الإمام الباقر، عليه السلام، انه قال: “ان الله –تعالى- أشدّ فرحاً بتوبة عبده من رجل أضلَّ راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها، فالله أشدّ فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها”.

وقال الامام الصادق، عليه السلام: “إن الله -عزّ وجلّ- يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب كما يفرح أحدكم بضالَّته إذا وجدها”.فهو سبحانه طالما يفتح أبواب التوبة لعباده، ويغفر لهم كل معصية، وهذا هتافه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، إذ يقول في أحدهما: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (سورة النور، الآية: 31).

________________

بصائر مقتبسة من موسوعة “من هدى القرآن” لسماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله).

عن المؤلف

إعداد: نعمان التميمي

اترك تعليقا