الهدى – متابعات ..
باتت أزمة السكن في العراق، تشق أنفاس الطبقة الفقيرة في حلم الحصول على بيت يقي الكرامة من جور غلاء الآجارات بانتظار المدن السكنية الكبيرة التي باتت حكراً على الطبقة الغنية.
ومنذ أكثر من عشر سنوات، يواصل سهيل رشيد، وهو موظف حكومي في إحدى دوائر الدولة، عادةً يومية يجمع فيها الدينار فوق الدينار، أملاً في ادخار مبلغ يتيح له امتلاك قطعة أرض أو منزل يصون كرامته في وطنه. يضطر للتقصير في تلبية احتياجات أسرته وأطفاله، مستغنياً عن أبسط مقومات الرفاهية.
ويقول رشيد: “أمنيتي ألا أسمع طرقات الباب كل شهر، صاحب البيت لا يمنحني مهلة، وكأنني آكل حقه في الإيجار!”.
وبصوت مرتعش روى سهيل، رحلته نحو حلم السكن الكريم: “كنا نعيش على أمل مشروع الجواهري، صدقنا الوعود بأنه مخصص للطبقة المتوسطة والفقيرة. انتظرنا فتح باب المبيعات بشغف، ظناً منا أنه سيكون بارقة أمل وسط هذا الغلاء”.
ويكمل سهيل: “حين وصلت إلى مركز المبيعات، شعرت أن الحلم تبخّر، الأسعار خيالية ولا تشبه حتى خيال موظف بسيط مثلي، إذا كان الدفع الشهري المطلوب يتراوح بين ثلاثة إلى أربعة ملايين دينار، فمن الذي يستطيع؟، ومن يملك هذا المبلغ شهرياً لن يذهب للسكن على أطراف بغداد، بل سيشتري في قلب العاصمة، قرب عمله أو عائلته، وربما نقداً دون تقسيط”.
وفي أواخر نيسان/ أبريل 2025، افتتحت وزارة الإعمار والإسكان مركز مبيعات مدينة الجواهري السكنية الواقعة في قضاء أبو غريب.
ويعد هذا المشروع من أكبر المشاريع السكنية الحديثة في بغداد، حيث يمتد على مساحة تزيد عن 7 آلاف دونم، ويضم حوالي 30 ألف وحدة سكنية متنوعة و10 آلاف قطعة أرض مخدومة.
وتم تصميم المدينة لتكون نموذجا حضرياً متكاملاً، مع تخصيص 60% من المساحة للسكن و40% للمساحات الخضراء والمناطق الترفيهية والثقافية.
أما مدينة علي الوردي السكنية، فقد تم الإعلان عن افتتاح مركز مبيعاتها في بداية مايو 2025، يقع المشروع في منطقة النهروان جنوب شرق بغداد، ويخطط لأن يضم حوالي 110 آلاف وحدة سكنية، مما يجعله من أكبر المشاريع السكنية في تاريخ العراق.
ويهدف المشروع إلى تخفيف الضغط السكاني عن العاصمة وتوفير بيئة سكنية متكاملة الخدمات، وعلى الرغم من افتتاح مراكز المبيعات وبدء عمليات التسويق، إلا أن عمليات البناء والتشييد ما زالت في مراحلها الأولى، ومن المتوقع أن تستغرق عدة سنوات قبل اكتمال المشروعين بشكل كامل.
وبذلك، فإن المشروعين يمثّلان جزءاً من استراتيجية الحكومة العراقية لمعالجة أزمة السكن من خلال إنشاء مدن سكنية متكاملة على أطراف بغداد، تستهدف الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وتوفر بنى تحتية متطورة وخدمات متكاملة.
وبينما يفترض أن تحتضن هاتين المدينتين أبناء الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود، بحسب ما أعلن عند إطلاق المشروعين، ولكن ما إن فتحت أبواب المبيعات، حتى بدأت ملامح الصدمة على وجوه المنتظرين.
وحدات سكنية بأسعار خيالية لا تمت بصلة لواقع موظف راتبه لا يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية، ناهيك عن دفعات شهرية تتجاوز ملايين الدنانير.
وسط الجدل الدائر حول أسعار الوحدات السكنية، خرجت وزارة الإعمار والإسكان برؤية تبريرية واسعة، تؤكد من خلالها أن هذه المشاريع ليست سوى جزء من خارطة استراتيجية وطنية تستهدف حلّ أزمة السكن المزمنة في العراق.
الوزارة تؤكد أن ما تم إنجازه حتى الآن هو ضمن خطة متعددة المراحل، وأن هناك فئات اجتماعية واسعة مشمولة، إضافة إلى آليات تمويلية من المصارف الحكومية لتسهيل التملك.
وفي هذا السياق، صرّح استبرق صباح، المتحدث باسم وزارة الإعمار والإسكان، قائلاً: “مدينة الجواهري الواقعة في منطقة أبو غريب، تضم نحو 30 ألف وحدة سكنية، بأنماط معمارية مختلفة، تتراوح مساحات الشقق العمودية بين 100 و180 متراً مربعاً”، فيما “تبدأ مساحات الوحدات السكنية الأفقية من 200 متر مربع وتصل إلى أكثر من 300 متر مربع”.
وأضاف: “تطرح الوحدات الأفقية بمقدمة تبلغ 30 مليون دينار عراقي، وبقسط شهري يصل إلى 3 ملايين دينار لمدة عامين، أي ما يعادل دفع 15 مليون دينار كل خمسة أشهر حتى سداد 180 مليون دينار نقداً.
وأضاف: “نحن لا نقول إن هاتين المدينتين ستسدّان أزمة السكن بشكل كامل، لكنها تشكل خطوة مهمة ضمن الحلول الاستراتيجية. فعلى مستوى الأرقام، نحن نتحدث عن أربعين ألف وحدة سكنية (بين بيوت وأراضٍ) وهي رقم كبير من شأنه أن يسهم بشكل حقيقي في تخفيف حدة الأزمة”.
وتابع: “ضمن البرنامج الحكومي الحالي، نعمل على 16 مدينة جديدة. بدأنا بالجيل الأول الذي يضم خمس مدن، من بينها الجواهري وعلي الوردي، إلى جانب ضفاف كربلاء، الجنائن، ومدينة الغزلاني في الموصل. وقد أرسلنا مؤخرا مقترح الجيل الثاني المكوّن من ست مدن أخرى إلى هيئة الاستثمار لغرض الإعلان عنها رسميا”.
وعن إمكانية التمويل، بيّن صباح: “توجد آلية للاقتراض من المصارف الحكومية والأهلية تتيح للمواطن التقديم على وحدة سكنية وتسديد ثمنها على مدى يصل إلى عشرين سنة، ما يجعل التملك أكثر واقعية للفئات التي تحتاج هذه المشاريع”.
وأكد: “وزارة الإعمار والإسكان هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن وضع حلول لأزمة السكن، ونحن لا نعتمد على هذه المدن فقط. بل لدينا وحدات سكنية في المحافظات الجنوبية تتجاوز 7600 وحدة، إضافة إلى مبادرات مركزية أخرى مثل مبادرة تسكين التي يشرف عليها المجلس الوزاري الاقتصادي، والهادفة لتوفير نحو 100 ألف وحدة سكنية بأسعار ميسرة للفئات الهشّة”.
وبينما تُروّج مشاريع الإسكان الجديدة كحلّ جذري لأزمة السكن في العراق، تكشف المؤشرات الاقتصادية عن واقع مختلف تماماً، فبدلاً من أن تكون هذه المشاريع منقذة للطبقة الوسطى والمحدودة الدخل، تفاجأ المواطنون بأسعار توازي ـ بل وتتفوق أحيانا ـ أسعار العقارات داخل مركز العاصمة.
الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، أكد في تصريح له، ان “أسعار الوحدات السكنية في هذه المجمعات تُعد ضعف ما كان متوقعاً، بل إنها قريبة جداً من أسعار العقارات داخل بغداد نفسها، رغم أنها تقع على أطراف العاصمة وكان يُفترض أن تُطرح بتسهيلات حكومية للمواطنين. لكننا لم نرَ أي ملامح لهذا الدعم”.
وأشار المرسومي: “كان من المفترض أن تتدخل لجنة عليا لتنسّق مسألة التسعير وتضمن أن تكون الوحدات بمتناول ذوي الدخل المحدود، وهو أمر بالغ الحساسية، خاصة أننا كعراقيين لم نملك سابقاً تجربة ناجحة مع المجمعات السكنية”.
ويتابع: “في كل مرة، كانت هذه المشاريع تصبّ في مصلحة فئة واحدة: أصحاب الدخل العالي ورجال الأعمال، بينما تُقصى الفئات الأكبر من الموظفين، الطلاب، والعوائل ذات الموارد المحدودة. وكأن موارد الدولة خُصصت لتعزيز دخول الأثرياء، لا لتلبية احتياجات العامة”.
و في محاولة للردّ على صدمة الشارع وأسئلة الرأي العام، يوضح نبيل الصفار، المتحدث باسم وزارة الإعمار والإسكان، أن: “مشروع مدينتي الجواهري وعلي الوردي ليس سوى جزء من خطة حكومية أوسع لإنشاء مدن جديدة تهدف إلى التخفيف من أزمة السكن المتفاقمة”.
ويشير إلى أن “الخطة انطلقت فعلياً بخمس مدن، وهناك ست أخرى قيد التحضير في محافظات مختلفة. “نحن نستقطب الشركات ونسعى لتفعيل الشراكات بهدف خلق توازن في السكن، يجمع بين دعم ذوي الدخل المحدود وتحفيز المستثمرين في الوقت نفسه”.
ويؤكد الصفار أن “هناك نسباً تتراوح بين 10 إلى 15% من وحدات المدن الجديدة، ستؤول للدولة لتوزيعها على الشرائح المستحقة مجاناً. حددنا 21 فئة مستحقة، وسيكون هناك توزيع مباشر للوحدات او الأراضي المخدومة، مقابل ما يُمنح للمستثمرين من أراضٍ شاسعة”.
ويختم المتحدث الرسمي حديثه بالقول: “بمجرد أن تزداد أعداد الوحدات السكنية، سنشهد هبوطاً تدريجيا في الأسعار، وقد لاحظنا بالفعل ركوداً في سوق العقار بعد إعلان أسعار وحدات الجواهري، وهناك مباحثات مع البنوك لتوفير آليات تمويل مستقبلية”.
وبينما تؤكد الجهات الحكومية على أن مشاريع مدينتي الجواهري وعلي الوردي ستُحدث تحولاً في ملف الإسكان، يرى أصحاب العقارات ومراقبون في السوق أن المؤشرات الواقعية تسير في اتجاه مختلف، فالمجمعات السكنية، التي كان يفترض أن تسهم في خفض الأسعار داخل بغداد وتشكل بديلاً اقتصادياً للفئات الوسطى والمحدودة الدخل، لم تؤدِ إلى ذلك بحسب رأيهم.
