الهدى – متابعات ..
يشهد المشهد السياسي في العراق حالة غير مسبوقة من الجمود التشريعي، مع استمرار تعطيل جلسات مجلس النواب لفترة طويلة دون مؤشرات واضحة على استئناف أعماله في المدى القريب، هذا الغياب المطوّل للسلطة التشريعية أثار قلق الأوساط الشعبية في ظل التحديات الاقتصادية والمالية التي تواجهها البلاد، والتي تتطلب قرارات مصيرية وتشريعات عاجلة لم يعد من الممكن تأجيلها.
وفيما تتكدّس الملفات الحيوية على رفوف الانتظار داخل قبة البرلمان، من أبرزها مشروع قانون الموازنة العامة للسنة المقبلة (جداول الموازنة)، تظل الدولة في مواجهة مباشرة مع استحقاقات تتطلب توافقاً سياسياً لا يبدو متوفراً في الوقت الراهن.
وعلى الرغم من المحاولات التي جرت لإعادة تحريك عجلة البرلمان، إلا أن الانقسامات العميقة داخل الكتل السياسية، وتباين المواقف بشأن ملفات حساسة، أسهمت في إطالة أمد الشلل النيابي، ما يعزز المخاوف من أن تستمر حالة الفراغ التشريعي لفترة أطول، مع ما يحمله ذلك من تبعات على إدارة شؤون الدولة واستقرارها المؤسسي.
وعقب فشل مجلس النواب في عقد جلساته يومي الاثنين والثلاثاء من الأسبوع الماضي، قررت رئاسة البرلمان بعدها بساعات قليلة إنهاء الفصل التشريعي الأول من السنة التشريعية الرابعة “الدورة الانتخابية الخامسة” بدءاً من يوم الجمعة.
وقتها، ذكرت الدائرة الإعلامية لمجلس النواب في بيان ت أنه “استناداً إلى المادة (57) من دستور جمهورية العراق والمادة (22) من النظام الداخلي لمجلس النواب قررت رئاسة المجلس إنهاء الفصل التشريعي الاول من السنة التشريعية الرابعة – الدورة الانتخابية الخامسة”.
وفي كل أسبوع تدعو رئاسة مجلس النواب إلى عقد جلسة اعتيادية إلا أن الجلسة لن تعقد بسبب غياب العدد القانوني للنواب، ما أجبر النائب الأول للرئيس محسن المندلاوي، خلال الجلسة الأخيرة التي فشل البرلمان في عقدها يوم الثلاثاء الماضي، بتوجيه الدائرتين الإعلامية والبرلمانية بنشر أسماء أعضاء مجلس النواب “المتغيبين” عن الجلسة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.
ويقول القيادي في ائتلاف النصر المنضوي ضمن الإطار التنسيقي، عقيل الرديني، إن “مجلس النواب في دورته الحالية لم يرتقِ إلى المستوى الدستوري في ممارسة مهامه التشريعية والرقابية، حيث لم نشهد استجواباً أو محاسبة لأي من المقصرين أو المتورطين في قضايا الفساد، على الرغم من تعدد المؤشرات والتقارير التي تؤكد تفشيه”.
ويضيف الرديني، أن “المجلس شهد خلافات وانقسامات حادة أثرت سلباً في أدائه، خاصة بعد إقالة رئيس مجلس النواب وبقاء المنصب شاغراً لنحو عام، ما أدى إلى شلل واضح في العمل النيابي”، كما يشير إلى أن “عدد القوانين التي تم تشريعها خلال هذه الدورة كان محدوداً”.
ويرى القيادي أن “هذه الدورة النيابية هي الأضعف مقارنة بالدورات السابقة، ولم تتمكن من أداء دورها الحقيقي”، مضيفاً أن “المجلس يمر حالياً بعطلة تشريعية، في ظل انعقاد قمة عربية في البلاد، لكن هناك إمكانية لانعقاد جلسة بعد انتهاء العطلة لإقرار بعض القوانين المتأخرة، التي لم تأخذ حقها من النقاش أو الإقرار داخل البرلمان”.
ووفقاً للإحصائيات التي تتداولها بعض وسائل الإعلام المحلية، فإن مجلس النواب عقد منذ بداية الدورة النيابية في كانون الثاني 2022، تقريباً 132 جلسة فقط، في حين ينص النظام الداخلي للبرلمان على عقد 256 جلسة سنوياً، كما حدد عقد 8 جلسات شهرياً بواقع 32 جلسة في كل فصل الذي يمتد لـ 4 أشهر.
وبموجب المادتين 11 و18 من النظام الداخلي للبرلمان العراقي، يلتزم النائب بحضور الجلسات، وفي حال الغياب المتكرر دون عذر (5 أو 10 جلسات متتالية خلال الفصل التشريعي)، يوجه الرئيس تنبيهاً خطياً وينشر الغياب، كما تجوز إقالة النائب إذا تجاوز غيابه ثلث الجلسات.
وتنص المادة 56 من الدستور العراقي على “تمديد الفصل التشريعي لدورة انعقاد مجلس النواب بما لا يزيد على 30 يوماً، لإنجاز المهمات التي تستدعي ذلك، بناء على طلب من رئيس الجمهورية، أو رئيس مجلس الوزراء، أو رئيس البرلمان، أو 50 عضواً من أعضاء المجلس”.
وعلى الصعيد القانوني، يقول أحمد العبادي، الخبير القانوني، إن “النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي، الصادر بالرقم (1) لسنة 2022، يلزم أعضاء المجلس بعدد من الالتزامات القانونية والإجرائية، وفي مقدمتها الالتزام بالحضور في جلسات البرلمان وجلسات اللجان التي ينتمي إليها النائب”.
ووضح العبادي، أن “المادة (16) من النظام الداخلي تنص على ضرورة تقديم عذر مشروع في حال تغيب النائب، شريطة أن يحظى هذا العذر بموافقة رئيس المجلس ورئيس اللجنة المعنية”.
ويبين أن “النظام الداخلي يمنح النائب الحق في الحصول على إجازة اعتيادية لا تتجاوز 15 يوماً خلال السنة التشريعية، على أن تكون بموافقة رئيس مجلس النواب، ولا يحق له التمديد إلى أكثر من ذلك، لأن القانون لا يمنح رئيس المجلس صلاحية منح إجازات تتجاوز هذه المدة”.
ومنذ استبعاد الرئيس السابق محمد الحلبوسي عن منصبه، تولّى نائبه الأول محسن المندلاوي رئاسة المجلس مؤقتاً، وأدار جميع جلسات البرلمان الخاصة بتمرير القوانين المهمة مثل جداول الموازنة وقانون العطل، وبعد أشهر من الشد والجذب انتخب البرلمان محمود المشهداني، رئيساً وبعدها تمكن من تمرير القوانين الجدلية وبعدها اخفق في تمرير أي قانون مهم.
ويبدو أن مشهد فشل عقد الجلسات بعد انتهاء العطلة التشريعية ليس ببعيد عن الواقع، حسب رؤية مراقبين، يعتقدون أن الكتل السياسية وخلافاتهم بشأن القوانين وتوزيع المناصب خصوصاً مع اقتراب الانتخابات التشريعية تقف وراء هذا التعطيل.
ومع كل هذا الضجيج حول عدم حضور النواب إلى الجلسات، خرجت العديد من التصريحات النيابية متهمة الحكومة ورئاسة البرلمان وراء تعطيل جلسات البرلمان منذ أشهر.
ويقول النائب عن تحالف الفتح مختار الموسوي، إن مجلس النواب معطل منذ أكثر من 6 أشهر، كما يشير إلى أن “آخر جلسة شهدت حضوراً ضعيفاً لم يتجاوز 6 نواب، رغم وجود قوانين مهمة كالموازنة وقانون التقاعد”.
ويرجع الموسوي السبب إلى غياب إجراءات حازمة من رئاسة البرلمان، إضافة إلى اتفاق غير معلن مع الحكومة لتعطيل الجلسات وعدم استجواب الوزراء.
من جانبه، يوضح النائب المستقل حسين السعبري أن البرلمان دخل عطلة تشريعية تمتد شهرين، مستبعداً استئناف الجلسات حتى بعدها، بسبب اقتراب موعد القمة العربية في بغداد، ثم موسم الحج والمحرم، يليها الاستعدادات للانتخابات.
كما يكشف السعبري، عن مقترح لتقليص العطلة أو عقد جلسات استثنائية، إلا أنه أشار إلى ضعف الحضور حتى في الجلسات الاعتيادية، ما يجعل هذا الخيار غير واقعي.
وفي هذا الصدد، يقول المحلل السياسي نجم القصاب، إن “أداء البرلمان العراقي في دورته الحالية لا يختلف كثيراً عن الدورات السابقة، إذ لا يزال خاضعاً لنظام المحاصصة الحزبية والطائفية، ما يعيق عمله ويحول دون تحقيق تقدم حقيقي في العملية التشريعية”.
ويشير القصاب، إلى أن “بعض أعضاء البرلمان يتعمدون تعطيل الجلسات ومنع انعقادها، بهدف عرقلة تمرير قوانين معينة، إما لكونها لا تخدم مصالحهم السياسية، أو لأنها تصب في مصلحة الحكومة أو تمثل ضغطًا عليها”، مضيفاً أن “تجربة النظام البرلماني في العراق أثبتت فشلها في غالب الأحيان، نتيجة لغياب الرؤية الوطنية الموحدة، وسيطرة المصالح الحزبية والشخصية على قرارات الكتل السياسية”.
ويتحدث القصاب، أيضاً أن “البرلمان في العراق تحوّل إلى ساحة لتبادل المجاملات وتصفية الحسابات، لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة، ما أدى إلى تراجع كبير في مستوى الأداء التشريعي والرقابي”، مشيراً إلى أن “الكثير من القوانين المهمة، التي تمس حياة المواطن العراقي بشكل مباشر، ما زالت مؤجلة أو معلقة بسبب غياب التوافق السياسي الحقيقي”.
