الأخبار

مهنة التمريض في العراق، بين النظرة المجتمعية وغياب الدعم المؤسساتي

الهدى – متابعات ..

تعد مهنة التمريض في العراق من الركائز الأساسية للنظام الصحي، إذ تجمع بين العلم والرحمة، وتعتبر العمود الفقري، الذي يستند عليه أي نظام رعاية صحية ناجح، فهي مهنة تتطلب التزاماً إنسانياً وأخلاقياً، وتحمل في طياتها تحديات كبيرة تتطلب صبراً ودقة في الأداء.
ورغم الجهود اليومية والملموسة، التي يبذلها الممارسون لمهنة التمريض في مختلف الظروف، إلا أن المهنة لا تزال تواجه صعوبات جمة، سواء على مستوى النظرة المجتمعية أو الدعم المؤسساتي.
وفي وقت الأزمات، مثل الأوبئة والكوارث، يظهر التمريض كالحارس الأمين الذي يقدم الرعاية بتفانٍ، ليكونوا بحق أبطالاً في صمتهم، حيث يضحي الكثيرون من أجل تقديم أفضل الخدمات الصحية للمرضى.
ومع الاحتفال باليوم العالمي للتمريض، الذي يُوافق هذا اليوم، تأتي فرصة لتسليط الضوء على الدور الحيوي الذي يقوم به “الجيش الأبيض” في الحفاظ على صحة المجتمع وتقديم الرعاية الإنسانية في أوقات الشدة.
منتهى عبد الله (50 عاماً)، ممرضة تعمل في أحد المستشفيات الحكومية منذ خمسة عشر عاماً، تُعبّر عن حبها العميق لمهنتها قائلة: “أعمل في مهنة التمريض التي أحببتها جداً، وأعتبرها من أشرف المهن الإنسانية، إذ أرى المرضى ينظرون إلينا بعين الرجاء والثقة، لم نُقصر في أداء واجبنا تجاههم، ورغم ساعات العمل الطويلة والمضنية، إلا أننا نواجه بعض التداعيات التي تقلل من قيمة العمل الإنساني”.
وأضافت منتهى أن مهنة التمريض ما زالت تُعتبر من المهن الثانوية في بعض الأوساط، رغم الجهود الكبيرة التي يبذلها الممرضات والممرضون، حيث قالت: “نصادف أحياناً كلمات جارحة من البعض، وهو ما يزيد من صعوبة العمل، رغم أننا نقدم جهدنا ونعمل ليل نهار، لكننا لا نلقى التقدير الذي نستحقه”.
أما أحمد رزاق، ممرض في قسم الطوارئ، فيرى أن مهنة التمريض من أنبل وأرقى المهن الإنسانية.
وقال: “المريض يحتاج إلينا في كل لحظة، ونحن نكون في خدمته على مدار الساعة، نواجه التحديات بكل شجاعة، وأحياناً نتعرض للأوبئة والأمراض المعدية، لكننا في المقابل نُهمش في التقدير المجتمعي ولا نُعتبر جزءاً أساسياً من المهن السامية التي تحظى بالتكريم في دول أخرى”.
وأضاف أحمد: “في زمن جائحة كورونا، وقفنا في مواجهة العدوى وقدّمنا خدمات جليلة للمصابين، تعرضنا للإصابة والموت في العديد من الحالات، ورغم ذلك بقينا مهمشين بلا امتيازات أو تقدير، وهو ما يشعرنا بالفوارق في المعاملة”.
وفي هذا السياق، تحدث نقيب التمريض في العراق، الدكتور فراس الموسوي، عن أهمية مهنة التمريض قائلاً: “إنها من أسمى وأنبل المهن الإنسانية، وقد تطورت عبر التاريخ حتى أصبحت اليوم واحدة من الركائز الأساسية في النظام الصحي”.
وأكد الموسوي أن مهنة التمريض شهدت طفرة نوعية في الآونة الأخيرة، سواء على المستوى المعنوي أو المادي، مضيفاً: “ما حدث خلال جائحة كورونا كان دليلاً واضحاً على مستوى التفاني والإخلاص في العمل؛ فقد تصدّى الجيش الأبيض للوباء بشجاعة وقدم تضحيات جسيمة، من شهداء ومصابين، وعمل بمهنية عالية إلى جانب الملاكات الطبية العليا”.
وأشار الموسوي إلى أن التمريض اليوم لم يعد مهنة تقليدية، بل يحمل مؤهلات علمية متقدمة، موضحاً أن “هناك أكثر من 500 عالم في موقع (ستوبرس) يتصدرهم ممرض بدرجة بروفيسور، ومن بين 5000 عالم ممرض، اثنان من العراق، ما يعكس الطفرة العلمية التي يشهدها القطاع التمريضي في البلاد”.
وفي حديث له، استعرض الدكتور علي كريم، عميد كلية التمريض والقبالة في جامعة السبطين، مسار تطور مهنة التمريض في العراق، مشيراً إلى أن بدايات الرعاية التمريضية كانت تعتمد على خريجات مدارس التمريض، ثم إعداديات التمريض، ولاحقاً معاهد التمريض. وأوضح أن هذه المستويات شكّلت العمود الفقري لخدمات التمريض حتى نهاية القرن العشرين، إذ كانت الكوادر التمريضية تعتمد بشكل رئيس على هذه المصادر، في ظل محدودية خريجي كليات التمريض.
وتابع الدكتور كريم أن أول كلية للتمريض افتُتحت عام 1962 في جامعة بغداد، وكان دور خريجيها مقتصراً على وحدات حساسة مثل العناية المركزة والعمليات وغسل الكلى، وكان عددهم قليلاً جداً. وحتى بعد افتتاح كليات جديدة في الموصل والكوفة والبصرة، بقيت أعداد خريجي كليات التمريض محدودة مقارنة بالحاجة.
وأضاف أن التحول الجوهري بدأ بعد عام 2003، حين تم الالتفات إلى هذه المهنة الحيوية عبر وضع خطط استراتيجية للنهوض بها، بدعم من منظمة الصحة العالمية، من خلال إقامة مؤتمرات علمية وورش عمل ودورات تدريبية داخل البلاد وخارجها.
وفي معرض حديثه عن تطور التعليم التمريضي، أوضح الدكتور كريم أن العراق اليوم يضم 16 كلية تمريض حكومية، وأكثر من 20 كلية أهلية، إضافة إلى الفرع الدولي لجامعة طهران للعلوم الطبية (جامعة السبطين)، والتي تضم كلية التمريض والقبالة بقسميها، مبيناً أن قسم القبالة هو الأول من نوعه في العراق.
وأشار إلى أن القبول في هذه الكليات يشترط أن يكون الطالب من خريجي الفرع العلمي وبمعدل لا يقل عن 97% في الكليات الحكومية، كما تم افتتاح دراسات ماجستير علوم التمريض في ست كليات حكومية، ودراسة الدكتوراه في أربع كليات أخرى.
وأكد الدكتور كريم أن من أبرز الخطوات التي اتخذتها وزارة الصحة باتجاه تطوير مهنة التمريض كانت غلق مدارس وإعداديات التمريض في عموم البلاد، والاكتفاء بخريجي المعاهد والكليات لتقديم الخدمات التمريضية، وهو ما يمثل خطوة نحو الارتقاء بالمهنة على أسس علمية، كما هو الحال في الدول المتقدمة. وأشار إلى أن هذا التوجه يعكس إدراك العراق لضرورة تأهيل الكوادر التمريضية بمستوى أكاديمي عالٍ يتناسب مع متطلبات النظام الصحي الحديث.
وبيّن كريم أن العراق يضم حالياً أكثر من 100 ألف ممرض وممرضة من مختلف المستويات، لكنه في الواقع بحاجة إلى أكثر من ضعف هذا العدد لتغطية الحاجات الصحية على المستويات الوقائية والعلاجية والتأهيلية، مؤكداً أن القبول العشوائي للأعداد الكبيرة من الطلبة في بعض الكليات الأهلية ينعكس سلباً على نوعية الخريجين ويهدد جودة الخدمة التمريضية.
وفي ما يتعلق بالتحديات، أشار الدكتور كريم إلى أن الطاقة الاستيعابية المحدودة لدراستي الماجستير والدكتوراه لا تواكب الحاجة الفعلية، كما لا توجد دراسات عليا في التخصصات الدقيقة، مثل تمريض الرعاية الحرجة أو تمريض الأورام أو حديثي الولادة، وهي تخصصات معتمدة في كثير من دول العالم. كما لفت إلى غياب التوصيف الوظيفي للفئات التمريضية المختلفة داخل مؤسسات وزارة الصحة، ما يخلق فجوة في التنظيم الإداري والمهني.
وختم الدكتور علي كريم حديثه بالتأكيد على ضرورة توفير كوادر تمريضية متخصصة في المؤسسات غير التقليدية، مثل رياض الأطفال والمدارس والمصحات والسجون ودور رعاية المسنين ومراكز التوحد والإدمان والمصانع، إضافة إلى المستشفيات والمراكز الصحية.
وشدد على أهمية السعي لتطوير الملاكات التدريسية عبر زمالات وفرص تدريبية خارجية، داعياً إلى ضرورة تطبيق قوانين صارمة لحماية الممرضين من الاعتداءات الجسدية واللفظية، وتوفير معدات الوقاية لهم، خصوصاً في الأقسام عالية الخطورة.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا