الأخبار

دعوات في العراق الى استثمار الشباب وجعل التعليم أولوية استراتيجية

الهدى – متابعات ..

في العراق، يشكل الشباب غالبية السكان، مما يجعل من الاستثمار في الطفولة والتعليم أولوية استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
ومع ذلك، وعلى الرغم من وجود نصوص دستورية وقوانين عمل تمنع تشغيل الأطفال دون سن 18 عاما، لا يزال المشهد الواقعي بعيدا كل البعد عن هذا الإطار القانوني، ويعاني من فجوة بين التشريع والتنفيذ.
فحسب القانوني زين العابدين محي، ينص الدستور العراقي، وتحديدا في المادة 34، على التزام الدولة بتوفير التعليم ومحو الأمية، كما يضمن حماية الطفولة، لكن هذه النصوص، كما يصفها، تظل حبيسة الأوراق، وتزين الخطابات الرسمية، دون أن تجد لها طريقا إلى التطبيق.
و“المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في غياب من يطبقها”، يقول محي، بنبرة يملؤها الأسى، مشيرا إلى أن قانون العمل العراقي يمنع بشكل صريح تشغيل الأطفال دون سن الـ18 عامًا.
ومع ذلك، تزداد أعداد الصغار الذين يزج بهم في سوق العمل، من تصليح السيارات إلى البيع في الأسواق، مرورا بحمل الأحمال الثقيلة في الورش الصناعية، في انتهاك قانوني صارخ لا يلقى رادعًا.
وهذا التناقض الصارخ بين ما يُكتب وما يطبق لا يظهر فقط عجز المؤسسات الرسمية، بل يكشف أيضًا عن تواطؤ الصمت في تعميق أزمات الطفولة من التسرب الدراسي، إلى الفقر، وحتى الاستغلال.
كما يؤكد أن غياب الرقابة القانونية وندرة المحاسبة يفتحان الأبواب أمام شبكات استغلال الطفولة، في ظل ضعف الخدمات الأساسية في المناطق المهمشة.
فمنذ عام 2003، بدأت ملامح أزمة التعليم في البلاد بالظهور، حيث تدهورت الأوضاع الأمنية والاقتصادية بشكل غير مسبوق، مما أثر على جميع جوانب الحياة، وكان التعليم أحد أبرز المتأثرين.
وحسب التربوي حيدر كاظم، فإن العراق شهد زيادة ضخمة في عدد الأطفال الذين أصبحوا خارج مقاعد الدراسة، حيث بلغ العدد ما بين 2 إلى 3 ملايين طفل عراقي في سن الدراسة.
وهذا الواقع المرير دفع الحكومة العراقية إلى التفكير في كيفية تطوير نظام التعليم الإلزامي، وتحسين جودة التعليم، رغم التحديات الكبيرة التي كانت تواجهها البلاد.
ولكن رغم محاولات التحسين هذه، ما يزال التعليم في العراق يعاني من مشكلات عدّة، يصفها كاظم بأنها نتاج لتطبيق غير فعّال للقوانين.
وأحد أبرز هذه القوانين هو قانون التعليم الإلزامي رقم 118، الذي أقر في عام 1978، والذي ينص على إلزامية ومجانية التعليم في المرحلة الابتدائية، ويعتبر حقا دستوريا لجميع العراقيين.
ويبين كاظم أنه “على الرغم من أن القانون لا يزال ساريا حتى اليوم، فإنه يواجه تحديات كبيرة في تطبيقه، حيث يحتمل أن يتعرض ولي أمر الطفل المخالف لغرامة مالية أو عقوبات أخرى، لكن هذه العقوبات تبقى دون تأثير يذكر”.
وكما يوضح كاظم، فإن أكبر العقبات أمام تطبيق التعليم الإلزامي في العراق هو التسرب المدرسي، الذي يعد من أكبر التحديات التي تهدد نجاح النظام التعليمي في البلاد.
فالأطفال في المناطق الريفية والشعبية هم الأكثر عرضة للتسرب، حيث تفتقر مدارسهم إلى العديد من المقومات الأساسية مثل المباني الصالحة، وسائل التعليم الحديثة، والكوادر التعليمية الكفؤة.
وما يزيد من تعقيد الوضع هو العامل الاقتصادي، حيث إن الظروف الاقتصادية الصعبة تمنع العديد من العائلات من إرسال أبنائها إلى المدارس، مما يضطر الأطفال إلى العمل في سن مبكرة بدلاً من التعلم.
والإحصائيات التي وردت في تقرير الجهاز المركزي للإحصاء لعام 2019 أكدت أن عام 2017-2018 سجل أعلى نسبة تسرب من المرحلة الابتدائية، حيث بلغ عدد المتسربين نحو 131,368 تلميذ دون سن 15، منهم نحو 47% من الإناث.
وتعتبر هذه الأرقام مؤشرا خطيرا على تراجع التعليم في العراق وعلى تأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية على فرص الأطفال في الحصول على تعليم جيد.
وفي محاولة لإيجاد حلول لهذه الأزمة، أطلقت الحكومة العراقية حملة “العودة إلى التعليم” في عام 2024 بالتعاون مع منظمة اليونسيف، حيث استهدفت الحملة جميع مديريات العراق، بواسطة فرق جوالة استهدفت الفئات العمرية من 6 إلى 35 عاما. استمرت الحملة لمدة 50 يوما، وأسفرت عن عودة نحو 90 ألف طالب إلى مقاعد الدراسة. ورغم أنها خطوة إيجابية، إلا أن هذه الحملة تظل مجرد جزء من الحلول المؤقتة، ولا يمكنها أن تعالج جذور المشكلة إلا بتطوير البنية التحتية والتعليمية بشكل جذري.
وفي سياق هذا الواقع، يعبر الباحث الاقتصادي عبد السلام حسن، عن رأيه بأن قانون التعليم الإلزامي في العراق رغم أنه من أفضل التشريعات التي أقرت في البلاد، إلا أن تطبيقه يواجه صعوبات جمة في ظل الظروف الحالية. ويؤكد حسن أن التعليم الإلزامي في العراق هو فكرة صعبة التطبيق في بلد يعاني من غياب الأسس الحقيقية للتنفيذ.
ويستعرض حسن بعض العوامل التي تعيق هذا التطبيق، مثل الوضع الاقتصادي المتدهور، نقص المدارس المناسبة، وأجور المعلمين غير المجزية، فضلا عن غياب التحفيز الكافي لدى الدولة لتخصيص الموارد اللازمة للنهوض بالتعليم.
كما يوجه حسن انتقادات إلى القطاع التعليمي الخاص، الذي أصبح في بعض الأحيان مهنة تجارية بيد من يملكون المال فقط، مما يؤدي إلى وجود مدارس خاصة تفتقر إلى المؤهلات اللازمة للقيام بدور تعليمي حقيقي، ما يزيد من تعميق الأزمة.
ويخلص إلى أن التعليم الإلزامي في العراق بحاجة إلى إصلاحات جذرية لا تقتصر فقط على تطوير القوانين، بل على إعادة بناء النظام التعليمي بشكل شامل، بدءًا من تحسين البنية التحتية، مرورًا بتوفير معلمين أكفاء، وانتهاءً بتوفير فرص متساوية لجميع الأطفال بعيدًا عن العوائق الاجتماعية والاقتصادية.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا