تنعقد الدهشة في وجوه الكثير في العالم للإنجاز “التكنو معلوماتي” الجديد في عالم تقنية المعلومات والبرمجة، وهو؛ الذكاء الاصطناعي، بعد النجاح الباهر في دخول تقنية المعلومات في صناعة السيارات، ووسائل الاتصال، والإعلام، ومجالات خدمية، وانتاجية عديدة، حتى بلغ الأمر لأن يجربون “الإنسان الآلي” ليدخل حياة الانسان المخلوق من قبل الله –تعالى-! هذه الطفرة العلمية المذهلة ربما تغيّب عن الاذهان الجانب الأساس في هذا المنجز الظاهر أمام عيون الناس، وهو العقل البشري المدبّر خلف الذكاء الاصطناعي والانسان الآلي، فهو الذي بيده الإيعازات والأوامر، وبدونها لن تكن أية حركة لهذه الأجهزة الالكترونية.
هكذا الثقافة ودورها في الحياة، فالمال والسلاح والسلطة، كلها مظاهر قوة قاهرة في العالم، بيد أن العقل المحرك لها الثقافة التي تقف خلف هذه الدولة المقتدرة اقتصادياً، وسياسياً، وعسكرياً، بين أن تكون ثقافة الهيمنة، كما هو حال الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الاوربية، وبين أن تكون ثقافة العمل والإنتاج لخدمة المواطن، كما هو حال الصين، ومن قبلها؛ اليابان، ودول في مراقي التقدم.
وهذا ما يسلط الضوء عليه؛ كتاب رؤى في الإصلاح الثقافي، لمؤلفه؛ سماحة الباحث والخطيب الشيخ فوزي آل سيف، ذو الاهتمام المتزايد في مجال الإصلاح والتغيير، ونشر الوعي الديني في المجتمع، فهو يذكر التخلف المخيّم على الأمة، ويعد الأولوية ليس للمصانع والشوارع والماء والكهرباء فقط، وإنما يحتاج الى “البصيرة والمعرفة والثقافة، وهذا يعني أنها تحتاج الى نظرية ترسم الطريق الصحيح في حياتها”.
من هذا المنطلق يبدأ المؤلف رحلته البحثية –الإصلاحية في عالم الثقافة والمعرفة للإسهام في مشروع معالجة الواقع الفاسد في الأمة، موثقاً الصلة بين الحكمة والمعرفة، داعياً الى النظر الى “ما لدى الاخرين من علم ومعرفة وحكمة فنستفيد منها”، منتقداً الفكرة الخاطئة بنبذ كل ما لدى الغرب من تجارب وخبرات في المجالات السياسية والاقتصادية عاداً هذا “خلاف المبدأ الديني القائل أن الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها أخذها سواء كانت من الخارج أو من الداخل”.
وبما أن سماحة الشيخ المؤلف استند في بحثه هذا على قاعدتي العقل والدين، فان الكتاب أخذ مسارين متوازيين في مناقشة الموضوع، أحدهما: قضايا الإصلاح الثقافي، والمسار الآخر: قضايا ثقافية في منهج أهل البيت، عليهم السلام.
في المسار الأول بحث سماحته ما تحته عنوان: الإصلاح الثقافي خطوة البداية، تفرع منه؛ المعرفة أفضل العبادة، والقرآن الكريم يفكك الأصول الثقافية الخاطئة، والعنوان الآخر ضمن المسار نفسه: من مظاهر التخلف الثقافي في الأمة، ومنها: فقر الإنتاج العلمي والفكري، وشيوع فكر الخرافة والأسطورة، والاحتماء بالماضي والافتخار به، ثم تناول سماحته أسباب التخلف، وأثر الاستبداد في تخلف الأمة، كما بحث موضوع الخرافة والتأمل العقلي.
وفي المسار الثاني: بحث سماحته مقدمات في منهج التعامل مع الروايات، وما تفرع منه تحت عناوين: التفاعل بين الثقافة والسلوك، ونقاط في منهج التعامل مع النصوص، والأصول الروائية مواد خام ليست ثقافة جاهزة، والفهم الحرفي والعرفي للروايات، وعناوين فرعية في هذا السياق.
هذا الكتاب يدعونا الى موقف شجاع من بعض القوالب الثقافية المفروضة على الدِين، والتي تشكل اليوم نوعاً مما يمكن ان نسميه “ثقافة إسلامية” مصدرها المزاج الاجتماعي، والظروف السياسية والاقتصادية، والوضع النفسي للأفراد، ولا علاقة لها بأصل الثقافة الإسلامية التي شيّدها الرسول الأكرم، وأمير المؤمنين، صلوات الله عليهم خلال فترة حكمهم للأمة
لمن يقرأ هذا الكتاب الشيّق في أسلوب طرحه ومنهجية بحثه، الى آخر صفحة يخاله كتاباً غير مكتمل، يحتاج الى مزيد من البحث في موضوعات أخرى في سياق البنية الثقافية لدى أبناء الأمة، فهو حديث مسهب ومتشعب، ربما يحتاج الى مجلدات، بينما سماحة الشيخ فوزي السيف اختزل الكثير من الشرح والتفريع ليكون الكتاب سهل القراءة، وهذا ما لاحظناه من أن الصفحة الأخيرة للبحث في الرؤية الثقافية إزاء النصوص الدينية، خصصها لعنوان: “المرأة شرّ”! وهو ما يتداوله الكثير بدعوى وجود روايات منسوبة لأمير المؤمنين، عليه السلام، بأن “المرأة شرٌّ كلها وشر منها أنه لابد منها”! وعلامة التعجب هذه من سماحة المؤلف.
وسماحته لا ينفي وجود هذا الحديث بدايةً، إنما يناقشه عقلياً ثم قرانياً، و”هل أن الله –تعالى- قد خلق شراً مطلقاً، ليس فيه جهة خير؟ وما هو الذنب الذي راتكبته قبل أن تخلق”.
ثم يعرض سماحته الرواية على القرآن الكريم ويخرج بهشاشة الرواية وعدم صدقيتها عندما “أعلى منازل النساء حتى ضرب منهن الأمثال للنساء والرجال على حد سواء؛ {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ}، “فكيف تكون شراً كلها! مع وجود هذا العدد الهائل من النساء الفضليات من آل بيت رسول الله، ومن الصحابيات، ومن العاملات والمؤمنات والمتفقهات في الدين على مر التاريخ”؟!
هذا الكتاب يدعونا الى موقف شجاع من بعض القوالب الثقافية المفروضة على الدِين، والتي تشكل اليوم نوعاً مما يمكن ان نسميه “ثقافة إسلامية” مصدرها المزاج الاجتماعي، والظروف السياسية والاقتصادية، والوضع النفسي للأفراد، ولا علاقة لها بأصل الثقافة الإسلامية التي شيّدها الرسول الأكرم، وأمير المؤمنين، صلوات الله عليهم خلال فترة حكمهم للأمة.
