كم هي خسارة فادحة أن يموت شاب جامعي –من كلا الجنسين- منتحراً ليقتل طموحه وحماسه وآماله الكبيرة في لحظة يجد فيها الحياة كلها أصبحت نقطة سوداء صغيرة في عينيه! “لابد أن تكون شخصية مرموقة؛ طبيب، او مهندس، أو محامي”، “لابد أن تكون متسلحة بالشهادة الجامعية لمواجهة الحياة! وإلا تكونين حبيسة البيت، او تحت رحمة زوج مجهول”! “نحن ننفق عليك الأموال، ونوفرها من لقمة طعامنا لتحقق أحلامك”!
هذه العبارات وأشباهها تطرق مسامع الشباب والفتيات، ليس في مرحلة الجامعة، وإنما قبلها ايضاً؛ وتحديداً في المرحلة الإعدادية التي يفترض انها إعداد لمرحلة علمية متقدمة، بينما هي اليوم تمثل مرحلة “برزخية” الى عالم كله قلق واضطراب وحرب نفسية تضع الشباب بعمر الورد في زاوية حادّة بعيداً عن آفاق الحياة و رحاب الفرص المتعددة للنجاح والسعادة.
فتاة بعمر الورد في جامعة أهلية تلقي بنفسها من النافذة بشكل مؤلم وصادم لعجزها عن توفير مبلغ القسط السنوي، ولا علينا بالتفاصيل عن الضغوط النفسية التي تعرضت لها هذه الفتاة المسكينة في ساعاتها الأخيرة، ولا نخوض في الجانب الشرعي من الموضوع، إذ لا مجال للّوم في أجواء يخيم عليها الحزن والأسى على فتاة دخلت الجامعة وكلها آمال وطموحات كبيرة بمستقبل زاهر، فوجدت أن ورائها آمال وطموحات أكبر بكثير، فعندما عجزت عن الصعود قررت أن تترك السلّم وتهوي الى الأرض لتقتل آمالها الخاصة وآمال الآخرين في وقت واحد.
أكثر ما يؤسفنا عدم التحسس بكل هذا النعيم الإلهي في هذه الحياة، مثل؛ نعمة الصحة، والأمان، والحرية، والعقل، والإرادة، فماذا كان ينقص هذه الفتاة المأسوف على شبابها عن نظيراتها ممن أقمن مشاريع عمل ناجحة في مجال المواد الغذائية، او التجارة، او التسويق، او أي مشروع عمل آخر، سوى الكلمة الطيبة؟!
بلى؛ انها “الكلمة” فقط، من شأنها ان ترفع الانسان الى الأعالي، وبامكانها أيضاً ان تهوي به الى أسفل السافلين، كما يحصل لعديد من شبابنا هذه الأيام، ليس فقط في مسيرة التعليم، وإنما في مسارات أخرى بالحياة.
لماذا هذا التحجيم القاتل والخانق للحياة؟ هل يتصور الأب او الأم، او حتى المقربين، إن المعدل العالي في امتحان البكلوريا، السادس الاعدادي، او الشهادة الجامعية هي الوحيدة التي توفر المال، وفرصة العمل المرموقة، والوجاهة الاجتماعية؟
لنحسب المسألة مادياً، بعيداً عن المعنويات والغيبيات؛ هل يصح عقلاً ومنطقاً إلغاء جميع الفرص والتجارب على أمل تحقيق النجاح في مجال محدد فقط؟
ثم هل يصحّ أن نجعل مسيرة طلب العلم الموصى بها من قبل رسول الله، صلى الله عليه وآله، وقبله من الله –تعالى- طريقاً للانتحار؟!
معادلة غير مفهومة وغير منطقية بالمرة، وأعدها ظالمة بكل المعايير.أستاذ في جامعة يخاطب الفتيات في قاعة المحاضرة حصراً –دون الشباب- “عليكنّ بالدراسة والنجاح لأن الشهادة الجامعية تمثل سلاحاً لكم في معارك الحياة! وإلا ستكونون مجبرين لبيع الخضار واللبن في الأسواق”!!هل هذه طريقة صحيحة وعقلانية وعلمية للبحث عن النجاح؟
أكثر ما يؤسفنا عدم التحسس بكل هذا النعيم الإلهي في هذه الحياة، مثل؛ نعمة الصحة، والأمان، والحرية، والعقل، والإرادة، فماذا كان ينقص هذه الفتاة المأسوف على شبابها عن نظيراتها ممن أقمن مشاريع عمل ناجحة
قبل ان نفكر بالتعيين الحكومي او حتى غير الحكومي، علينا التفكير بصحة وسلامة الأبناء نفسياً وبدنياً ايضاً، ففي هذه تكمن اسرار السعادة، لاسيما اذا تحول الشاب الى زوج او زوجة وتكونت لدينا أسرة جديدة لها بيت وأولاد. بلى؛ هذا غير مهم، وايضاً؛ الأخلاق والإنسانية، هي جميلة ولا أحد يرفضها، إنما هي تفيد للمستقبل، بينما نحن نبحث اليوم عما يملأ جيوبنا ويضمن غدنا بالراتب الشهري والتقاعد حتى نستلقي على الفراش مرتاحي البال!
وحتى يكون لدينا جواب على سؤال عن البنت في جلسة الخطوبة: “شنو مخلّصة بنتكم”؟! لا أجانب الحقيقة اذا قلت –وربما يوافقني القراء الكرام- أن في معظم الجامعات الأهلية والحكومية على حدٍ سواء توجد نظيرات للفتاة المنتحرة بنفس الضغوط والأوضاع النفسية الصعبة مع الفارق في وجود عوامل عدّة تحول دون الوصول الى حافة الانتحار، مثل وجود كلمة طيبة من احد افراد الأسرة، او رصيد ثقافي ومعرفي، أو رصيد إيماني وعقدي، او وجود أيادي بيضاء مساندة، تجعلها تصبر.
بالمناسبة؛ وعلى ذكر الأيادي البيضاء، سمعت ذات مرة من يدعو للتبرع لفتاة تدرس في جامعة أهلية في كلية الطب، كون القسط الشهري باهضاً جداً! علماً أن بإمكانها اختيار قسم آخر في الجامعات الأهلية أقل كلفة، فهل نسحب الايادي البيضاء ايضاً الى هذه المعمعة بدعوى المساعدة والتخفيف عن ضغوط بعض أبناء الأسر المتعففة؟!
في الختام؛ لا يسعنا إلا طلب الرحمة والمغفرة من الله –تعالى- لهذه الفتاة، لأننا نعرف ان الشباب أكثر مرحلة عمرية تعلقاً بالحياة، وأكثر نسجاً للآمال والتطلعات المستقبلية، فالموت بهذه الطريقة المفجعة ربما ليس هرباً من الحياة، والتنكّر لنعم الله –تعالى- والتفريط بأمانة الروح، كما يحصل عند آخرين، بقدر ما هو هروب من الألسن الحادة والنظرات القاتلة من المحيطين، وهو ليس مبرراً في كل الأحوال، لأن مصير المنتحر هو النار وفق الشريعة الإسلامية.
وإذن؛ تعالوا نوفر أجواء الحنان والحب والأمل ليستشعر الشباب بالاستقرار النفسي، ثم بالثقة بالنفس وأنه قادر على النجاح في أي مجال في هذه الحياة الوسيعة، فالفتاة؛ إن لم تنجح في الدراسة فان بإمكانها ان تنجح النجاح الباهر في الزواج وتأسيس الأسرة النموذجية، أو أن تقيم مشروعاً صغيراً للعمل داخل البيت او خارجه حسب الظروف المتاحة، وكذا الشاب، فإن فرص العمل امامه مفتوحة في كل مكان، لأن إرادته، وذكائه الاجتماعي، هو الذي يقوده الى النجاح وليس مجرد ورقة تسمى “الشهادة الجامعية”، وهذا ما يؤكده الواقع بأمثلة لا تُعد.
اللهم يحفظ الجميع من كل سوء
