فکر و تنمیة

شبابنا بين الإقدام والإحجام

يؤكد المختصون في البحوث والاستقصاء، أن المكتشَفات البشرية لا تزال نسبتها قليلة قياسا لما هو مجهول وغير مكتشَف إلى الآن، ولابد أننا اطلعنا على جانب من تلك الاكتشافات الكبيرة التي غيّرت تاريخ الإنسان وطبيعة حياته وتفكيره، منها مثلا تلك الاكتشافات الجغرافية للقارات المجهولة آنذاك وكيف أقدم مجموعة من المغامرين على اقتحام البحار والمحيطات والمناطق المجهولة واكتشفوا العالم الجغرافي الجديد.

القصد من هذه المقدمة أن كلَّ شيء جديد ومهم يحتاج إلى روح الإقدام والشجاعة والمثابرة والإصرار حتى يمكن الوصول إليه واكتشافه، وروح الإقدام نجدها متوفرة في الغالب لدى الشباب، أكثر من الفئات العمرية الأخرى، فالإنسان كلما تقدم في العمر أصبح أكثر حيطة وحذرا من المجهول، أما الشباب فإنه يركب روح المغامرة ويميل إليها أكثر.

لكن في المقابل هناك إحجام لدى الشباب وقلة في الجرأة للإبحار في المناطق المعتمة لكشف المجهول، هذه حقيقة يمكن أن نعثر عليها في واقعنا اليوم، فشبابنا مترددون في التقدم إلى أمام، هناك نوع من الإحجام والخوف والتردد، وهذا يتناقض مع روح الشباب الفتية التي تميل نحو الجرأة في اختراق كل ما هو غير معروف بالنسبة للشاب.

هل الإحجام في صالح شبابنا، أم أنه يشكّل ظاهرةً معيبة في شخصياتهم؟

 بالطبع لا يمكن للتردد والتخوف أن يكون في صالح الشاب، لكن هناك من يتمسك بمثل هذه التصرفات والمواقف بحجة ضبابية المستقبل، أو العتمة التي لا تسمح للشاب بالمضيّ قُدُمًا إلى الأمام، لذا من المهم جدا أن يغادر الشاب قضية التردد والتخوف وعليه عبورها إلى التجريب بغض النظر عن ضمان النجاح الأكيد.

الإقدام يجب أن يشكل صفةً ملازمة لكل شاب، والإحجام الذي يتناقض مع الإقدام يجب أن يُلغى تماما من تكوين الشاب وتفكيره وسلوكه، ولكن هناك شيء اسمه الحكمة والتوازن، يعني على الشاب أن يتحلى بـ (الإقدام الحكيم)، أو الإقدام المحسوب والمدروس وليس المغامِر دونما ضمان للنتائج.

هناك شابّان تجاوزا سنّ العشرين، كلاهما كان يعاني من البطالة، وكانا يبحثان عن عمل، أحدهما واصل العمل الروتيني وظل يعمل (عامل بناء)، وهذه مهنة لا تتطلب مهارة لكنها متعِبة جدا مقابل أجر زهيد، الشاب الآخر قرر أن يفتح مشروعا صغيرا في سوق الحي السكني، وعانى في الأيام الأولى من الكساد وقلة المتسوقين منه، وكان صديقه (عامل البناء) يزوره ويسخر منه ومن مهنته التي لا يحصل منها على رزق وفير.

لكن مع مرور الأيام بقيَ عامل البناء على حالة، أجره كما هو، ولم يتقدم خطوة واحدة في عمله، بينما الشاب الآخر تقدم وتطور في عمله وفتح فرعا آخر، وتضاعف موارده لأنه أصرَّ على تغيير حياته وتطوير علمه وغامر برأس المال الصغير الذي كان لديه، لكنه بسبب هذه المغامرة تضاعف رأس ماله مرات ومرات.

وعندما كان يزوره صديقه (عامل البناء)، كان يسأله هل تعرف لماذا بقيتَ عاملا للبناء لم تتقدم خطوة واحدة في رزقك؟

 أجابه: نعم أعرف ذلك جيدا، فأنا إنسان غير متفائل، أميل للإحجام وأخشى الإقدام، بينما أنت على العكس مني، تمتلك روح الإقدام فوصلت إلى ما وصلت له الآن.

هذا الدرس البسيط المأخوذ من واقع حياة الشباب يجب أن يدرسه جميع الشباب، فالتخوّف من الإقدام ليس صحيحا، وعلى الشاب أن يخوض التجارب تلو التجارب، حتى لو فشل في هذه التجربة أو تلك، عليه أن يواصل، ويُقْدِم ويمضي إلى الأمام، حتى يصل بالنتيجة إلى المكانة التي تليق به، باعتباره ثابرَ وأصرَّ على النجاح.  

مما تقدَّم لابد من الشاب أن يقوم بالتالي:

أولا: أن يجعل من الإقدام صفةً ملازِمة له ويقضي على الإحجام.

ثانيا: أن تبقى روح التفاؤل حاضرةً في سلوكه وتفكيره وحياته.

ثالثا: أن لا يقبل بحياة الركود والجمود وقتل الفراغ بالسكون.

رابعا: أن يُلقي نفسه في تيارات الحياة الصاخبة، وأن يخرج منها بنتيجة جيدة لصالحه.

خامسا: عليه أن يتجنب العزلة، ويرفض التشاؤم، ويتمسك بالإقدام.

الإقدام يجب أن يشكل صفةً ملازمة لكل شاب، والإحجام الذي يتناقض مع الإقدام يجب أن يُلغى تماما من تكوين الشاب وتفكيره وسلوكه، ولكن هناك شيء اسمه الحكمة والتوازن، يعني على الشاب أن يتحلى بـ (الإقدام الحكيم)، أو الإقدام المحسوب والمدروس وليس المغامِر دونما ضمان للنتائج

في خلاصة ما تقدَّم، هناك ظاهرة تكاد تهيمن على الشباب اليوم وأنا منهم، وهي قلة الجرأة وضعف روح الاكتشاف، والميل إلى الراحة، وهذه كلها تعمل بالضد من حياة الشاب الذي ينتهي إلى الفشل إذا لم يبادر وينقذ نفسه عبر اختيار الإقدام، ونبذ الإحجام، ورسم خطواته المستقبلية بروح التفاؤل والجرأة والإصرار على التفوق والنجاح.  

عن المؤلف

حسين علي حسين/ ماجستير إدارة أعمال

اترك تعليقا