قال أمير المؤمنين عليه السلام:” والشكر زينة الغنى”. (نهج البلاغة، الحكمة: 68).
الأغنياء نوعان؛ غني شكور، وغني غير ذلك. فالأول يفوز بخير الدنيا والآخرة، والثاني يخسر الدنيا والآخرة.
الذي خلّد النبيَ سليمان في التاريخ ليس لأنه يملك شيئا كثيرا، بل كما وصفه القرآن الكريم: {عبدا شكورا}، وعلى لسانه تقول الآية الكريمة: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}، ولما رأى عرش ملكة سبأ مستقرا عنده في اقل من طرفة عين قال: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}.
إن سنة الله قائمة على زيادة من يشكر، فحين تدعو إنسانا الى طعام وهو عبارة عن سفرة عادية، بعد ان يكمل الأكل والشرب لا شك ان سيشكرك، وفي يوم آخر حين يلقاك سيشكرك أيضا، لربما أحدنا يقدم خدمة بسيطة لأحدهم وينال عليها الشكر.
{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}، وفي هذه الآية وضع الله الشكر في مقابل الكفر، فمن لا يشكر يكفر، {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً}، في الحديث القدسي: يا بن آدم، لم أخلقك لأربح عليك، إنما خلقتك لتربح عليَّ”.
الشكر قد يكون باللسان كقول: الحمد لله، وهناك الشكر بالقلب، فإذا حصلت الانسان على نعمة فلا يظن انها من كيد يمينه وعرق جبينه، بل بتوفيق الله، ولذا ورد في روايات أهل البيت، عليهم السلام، إذا حصل المؤمن على نعمة عليه ان يسجد لله، لان الانسان إذا ظن ان هذه النعمة إنما أتت بمجهوده فمعَ الغنى يأتي الطغيان، ولكيلا يأتي الطغيان مع الغنى لابد أن يأتي الشكر معه، {إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}.
الشكر بالعمل
{اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً}، قال الإمام الصادق، عليه السلام: “إن الله تعالى يحب الجمال والتجميل، ويبغض البؤس والتباؤس، فإن الله عز وجل إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى عليه أثرها، قيل: وكيف ذلك؟ قال: ينظف ثوبه، ويطيب ريحه، ويجصص داره، ويكنس أفنيته، حتى أن السراج قبل مغيب الشمس ينفي الفقر ويزيد في الرزق “. فإذا حصل الانسان على أموال فمثلا من الجيد ان يشتري ثوبا جديدا، قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: “الطاعم الشاكر، له من الاجر كأجر الصائم المحتسب، والمعافى الشاكر له من الاجر كأجر المبتلى الصابر، والمعطى الشاكر له من الاجر كأجر المحروم القانع”
بعض الالسنة ليست متعودة على الشكر فلا تراه يشكر نعمة الخالق، او معروف المخلوق، قال الإمام الصادق، عليه السلام: مكتوب في التوراة: اشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعماء إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت، والشكر زيادة في النعم وأمان من الغير”.
من صفات عظماء التاريخ ان المحسن والمسيء ليسا بمنزلة سواء، فالمحسن يُشكر، والمسيء يُنتقد، وعلى رأس العظماء أهل البيت، عليهم السلام، فالأئمة دخلوا التاريخ من أوسع ابوابه ليس لأنهم كانوا يمتلكون مناصبَ او إمكانات
الله تعالى يَهب النعم للإنسان وحق النعمة ان يتم وضعها في قالب الشكر؛ باللسان، وبالقلب، وبالعمل، فمن لديه نعمة الأموال فعليه الانفاق منها في سبيل الله، عن عبيد الله بن الوليد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ثلاث لا يضر معهن شيء: الدعاء عند الكرب والاستغفار عند الذنب والشكر عند النعمة.
النعم سلسلة تنزل على العبد، فحين تشكر الأولى تأتي الثانية وهكذا، “إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر”. يقول امير المؤمنين، عليه السلام.
من صفات عظماء التاريخ ان المحسن والمسيء ليسا بمنزلة سواء، فالمحسن يُشكر، والمسيء يُنتقد، وعلى رأس العظماء أهل البيت، عليهم السلام، فالأئمة دخلوا التاريخ من أوسع ابوابه ليس لأنهم كانوا يمتلكون مناصبَ او إمكانات؛ قال أنس: حيّت جارية للحسن بن علي (عليه السلام) بطاقة ريحان فقال لها: أنتِ حرة لوجه الله فقلت له في ذلك فقال: أدبنا الله تعالى: فقال: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} وكان أحسن منها إعتاقها”. وتحرير المرأة في حينها لم يكن أمرا سهلا.
نحن لا نولد ونعرف كيف نشكر، لان الشكر فن لابد ان نتعلمه، فنشكر كل نعمة بقدرها وحجمها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “يؤتى بعبد يوم القيامة فيوقف بين يدي الله عز وجل، فيأمر به إلى النار.
فيقول: أي رب أمرت بي إلى النار وقد قرأت القرآن؟
فيقول الله: أي عبدي إني أنعمت عليك ولم تشكر نعمتي فيقول: أي رب أنعمت علي بكذا فشكرتك بكذا وأنعمت علي بكذا فشكرتك بكذا، فلا يزال يحصي النعم ويعدد الشكر.
فيقول الله تعالى: صدقت عبدي إلا أنك لم تشكر من أجريت لك نعمتي على يديه، وإني قد آليت على نفسي أن لا أقبل شكر عبد لنعمة أنعمتها عليه حتى يشكر من ساقها من خلقي”
لابد ان تكون مجتمعاتنا شاكرةً بلسانها، وبقلبها وبعملها، حينئذ يكون المجتمع الإسلامي يقدر عمل الافراد، ويتقدم ويتطور، فإذا اختراع شابٌ شيئا فعلى المجتمع ان يشكره لأنه سيقدم المزيد إن حظي بالشكر.
____________
(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).
