إضاءات تدبریة

الإحسان والطاعة للوالدين

{وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما}. (سورة العنكبوت آية: ٨).

الوصية هنا للإنسان، مُطلق الإنسان، يشمل حتى عديمي الدِين (الملحدين)، فيجب أن لا ينسى فضلهما، وأن يحترمها، ويقدرهما، ويُعلي من شأنهما، وإن كان مسيئَيّن، بل حتى لو كانّا كافرَيّن، عاصَيّن، لا ينسى الفضل والعطاء الذي بذلوه لأجله.

فقد قَيّل في المضمون أحد شيعة الإمام الصادق سلامُ اللهِ عليه، ذات يوم ذهب للإمام فقال له: لي أم كافرة، وأنا لا اعتني بها، ولا أبرها.

عن زكريا بن إبراهيم في حديث، أنّه قال لأبي عبدالله علیه السلام: إنّي كنت نصرانيّاً، فأسلمت. وإنّ أبي وأمّي على النصرانيّة وأهل بيتي، وأمّي مكفوفة البصر، فأكون معهم، وآكل في آنيتهم؟ قال: «يأكلون لحم الخنزير؟» فقلت: لا ولا يمسّونه. فقال: فاذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك». ثمّ ذكر أنه زاد في برّها على ما كان يفعل، وهو نصرانيّ، فسألته، فأخبرها أنّ الصّادق علیه السلام أمره، فأسلمت. فهذا من باب الإحسان والبِر.

أما الطاعة فلا تكون إلا للحق، لان الطاعة لغير الحق شِرك!وقد قدّم الإحسان والبر لأنهما من التوحيد فقد قال في آية أخرى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أَفَ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}، فقد تم ربط التوحيد الخالص، بالإحسان والبر، فلا يكون المسلم موحدًا لله، وهو عاق لوالديه.

وفي مقابل ذلك رويَ في الحديث المشهور عن أمير المؤمنين سلامُ اللهِ عليه: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”.فإن جاهداك على ان تُشرك (بمعنى تعصي الله، لأن كل معصية شِرك) بما ليس لك به علم فلا تطعهما، أي متی ما لم يعلم الإنسان بشي‌ء فلا ينبغي أن يتبعه فكيف إذا كان يعلم ببطلانه؟ فهذا الإتباع هو اتّباع للجهل، فلو أن الوالدين أمراك باتباع الجهل فلا تطعهما. و هذه الوصية وردت- أيضا- في سورة لقمان مع إضافة {وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً} فمع عدم قبول دعوتهما للشرك، ينبغي عليك احترامهما و الإحسان إليهما و الارفاق بهما . (تفسير الأمثل).

الإحسان ضروري، أما الطاعة المطلقة فلا، فلا تأخذ بكل ما يقولا، لان الخطأ به وارد، إنما الطاعة لله وللرسول وآله صلواتُ اللهِ عليهم، وما دونهم قابل للخطأ والصواب، لعدم عصمتهِ المطلقة.ولا تحقد عليهما إذا ما فعلوا الخطأ، وأمروك به، فذلك إجحاف بحقهما، وظُلم لهما، فقد أعطوا من عمرهم ليسلم عمرك، وجاعوا لتشبع، وعروا لتلبس!لكن في الباطل لا تخوض، وإن كان الخائضين أهلك، وأقرب الأقرباءُ لك، فالله سبحانه يقول: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ}.

فلا يؤمن أحدنّا حقًا، ويكون موحِدًا صدقًا، إلا بعد أن يحب ويكره لله وحده، فيدعم الحق أينما كان، ويخذل الباطل أينما صار، فلا يقبل الباطل إذا كان من أهله، ولا يرفض الحق إذا كان من غير دولته (إيران، سوريا، فلسطين، لبنان..).

{هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

عن المؤلف

سجاد كاظم

اترك تعليقا