منطقياً الانسان يحتاج الى الاختلاط بالانسان، فاجتماعية الانسان هي جزء منه ولست حالة رفاهية يسعى اليها في الحياة، على عكس هذه الحالة تظهر حالة ملحة للإنسان تدفعه لمغادرة اجتماعيته صوب العزلة هرباً من مضايقات الآخرين وتدخلاتهم غير المرغوب فيها وحشر انوفهم في كل شاردة وواردة، فهل يحتاج الانسان بالفعل الى العزلة؟
وبماذا سينعكس عليه جراء هذا التفضيل؟
في ظل الازمات النفسية التي تلحق بالانسان يميل الانسان الى اعتزال الناس والعيش في بحبوحته الخاصة بعيداً عن النفاق ومحاولات النيل من الاخرين نتيجة لتضارب المصالح والشد والجذب الذي يشوه وجه الانسانية ويحوله الى وجه قبيح، ومن هذه النقطة تحديداً يفضل ان لا يكون صيداً لمثل هذه النماذج اللاانسانية التي تجعل الانسان فريسةً للأفكار التي تدور في رأسه والتى لا يستطيع أحياناً السيطرة عليها مما يؤثر على جميع مجريات حياته.
في هذا السياق تقول استاذة علم الاجتماع الدكتورة امل شمس: ” إن الإنسان بطبعه اجتماعي لا يحب العزلة، ولا يجد ذاته فيها، ولا يمكنه تحقيق أهدافه وحيداً دون الحاجة لعوامل مساعدة من المحيطين به، وبالرغم من مخاطر العزلة والتي قد تسبب الاكتئاب والشعور بالوحدة الا أن لها بعض الفوائد التي يجبر الانسان على النزع نحوها وتفضيلها.
ماهي فوائد العزلة؟
اجتماعياً تساهم العزلة الى حد كبير في الحد من التأثر النفسي بالظواهر المجتمعية غير السليمة مثل الغِيبة والنفاق والكذب الذي يُبث عبر المجالس التي تخلو من اغلب القيم الانسانية الرصينة إن لم يكن جميعها، فعزلة الانسان في مثل هذه الحالة هي بمثابة الحصن المانع من الانهيار النفسي.
عبادياً فإن العزلة تمنح الانسان فرصةً لتأدية بعض الواجبات وحتى المستحبات العبادية التي تحتاجها النفس البشرية للظفر بالاطمئنان النفسي
مستقبلياً تنفع العزلة أن يركز الانسان على اهدافه المستقبيلة بعيداً عن ضوضاء الحياة والرغبات التي تصدر من افراد المجتمع والتي تعرقل سير تحقيق الاهداف الحياتية، فلو تمعن أحدنا في سير أغلب الناجحين في الحياة لوجودهم اداروا ظهورهم للكثير من الناس مركزين على أهدافهم، وانا شخصياً ارى انهم على حق لكون الالتفات الى الناس على حساب النفس مضعية للوقت والطاقة النفسية وبدون اي تعويض او مقابل.
صحياً تساعد العزلة في التخلص من الطاقة السلبية التي تنتجها معامل الفراغ الانساني لتستبدلها بالتركيز على صنع الذات الذي يجعل الإنسان يشعر بقيمة نفسه، والذي يترتب عليه تحسين حالة صحته النفسية، والشعور بالهدوء، والامن النفسي الذي يسلب من الانسان حين يبقى نفسه على قارعة طريق الحياة ملتفتاً لصوت سير فلان وصوت ضحكة فلان من الناس ولا فائدة تذكر.
اما عبادياً فإن العزلة تمنح الانسان فرصةً لتأدية بعض الواجبات وحتى المستحبات العبادية التي تحتاجها النفس البشرية للظفر بالاطمئنان النفسي، اضافةً الى محاولات الانسان للاقتراب من ذاته عبر محاسبتها لكشف أخطائها وبالتالي محاولة اصلاح هذا الخطأ، وهذه بحد ذاته اقتراب من رسالة السماء التي بعث الله الخلق من اجل اتمامها على اتم صورة ممكنة.
وعلى الصعيد العائلي للعزلة أثر كبير في تعزيز الاواصر العائلية بين الاب وزوجته وبين الابوين وابنائهم، اذ اوقات الفراغ التي تتوفر للانسان تعيده الى ممارسة الكثير من السلوكيات التي غيبها الانشغال مع الناس على حساب العائلة، وبعد الاعتزال صار لازماً إعادة توفير جزء من الوقت للعائلة لتلبية حاجاتها النفسية والعاطفية التي لا تقل اهمية عن الحاجات الانسانية أخرى.
في الختام قارئنا الكريم: بعد ان ذكرنا على وجه الاختصار ابرز العائدات الايجابية لعزلة الانسان وكيف يمكن ان تؤثر على شخصيته وتطورها لذا ندعو الى العزلة النسبية التي تبقي الانسان صحيحاً جسدياً ونفسياً.
