أسوة حسنة

العمل السياسي على طريقة الامام الصادق عليه السلام

من الواضح أن العقل والفعل الفكري هو الأسمى، وهو الأرسخ من السياسة، وهو الأبقى، وهو الأنفع للحياة، لأن الفعل السياسي يتعلق في العادة بطبيعة الظروف الآنية، أما الفعل الفكري فينطلق من طبيعة الوجود الإنساني ويبقى أبداً.

وقد وجد الإمام في طريقة جده زين العابدين، ووالده الباقر، عليهما السلام، ما أكد له صحة هذا التوجه ومصداقيته، ووجد أن مصلحة الأمة البعيدة تقتضي تعميق أثر العلم، تمهيداً لإرساء دعائم الفعل السياسي الصحيح، القائم على الوعي والمعرفة.

أما سياسة البحث عن السلطان وتجميع مصادر القوة في يد، واستخدام السيف بيد أخرى، فهي السياسة التي تركب صاحبها، بينما كانت سياسة الإمام القائمة على أن يركب الإنسان السياسة ويقودها، لا أن تركيه السياسة وتقوده

إن السياسة الحقيقية تكون أحياناً في أن ترفض العمل السياسي تماماً، كما أن الحيلة الحقيقية تكمن أحياناً في أن ترفض الحيلة، ولكن ليس في أن ترفض العمل السياسي وتجلس في الدار، وإنها أن ترفض السياسة بالمعنى الضيق للكلمة، وتنشغل بالعمل السياسي بالمعنى الواسع لها، أن تخسر صفقة صغيرة لمصلحة صفقات كبرى، أن تقبل بالهزيمة في معركة بسيطة لكي تكسب الانتصار في الحروب الكبرى، والفرق بين الأمرين هو الفرق بين تكتيك ناجح، واستراتيجية فاشلة، وبين استراتيجية ناجحة، حتى ولو كان قائماً على خسارة تكتيك صغير.

لقد كانت الطريقة التي سلكها الإمام الصادق، عليه السلام، في المجال السياسي من احكم الطرق وأدقها على الإطلاق، وهي تشكل منهجاً متكاملاً لمن يمر بظروف مشابهة، ولكل السائرين على الدرب، فهذا المنهج اعتمد باختصار على الأسس التالية:

أولاً: تبني العمل الإصلاحي بين أبناء الأمة، وتجميعهم حول محاور الحق، والعدل، والإيمان.

ثانياً: الاهتمام بالعلم وتربية العلماء، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه في مختلف جوانب الحياة.

ثالثاً: الابتعاد عن المغامرات غير المحسوبة، التي تؤدي إلى نتائج عكسية.

رابعاً: الحذر من أصحاب السلطة، والأخذ بالاحتياط في التحرك السياسي بعيداً عن عيونهم، واعتماد الكتمان في العمل.

لقد كانت الطريقة التي سلكها الإمام الصادق، عليه السلام، في المجال السياسي من أحكم الطرق وأدقها على الإطلاق، وهي تشكل منهجاً متكاملاً لمن يمر بظروف مشابهة، ولكل السائرين على الدرب

خامساً: دفع الناس إلى الابتعاد عن الظلمة، وعدم التعاون معهم، والاهتمام بإقامة العدل، والمشاركة فيما فيه مصلحة الأمة.

سادساً: عدم إدانة الثوار الذين قد يخاطرون بحياتهم ضد السلطات الظالمة، بل والاهتمام بعوائلهم وإقامة الناتجة عليهم، والدفاع عن موافقهم.

وبناء على هذه الأسس فقد حارب الإمام الصادق، عليه السلام، الروحَ الانهزامية في المجتمع، ودعا إلى كل عمل بنّاء في مختلف المجالات، وطالب الناس بأن يكونوا إيجابيين فيما يرتبط بحياتهم، والعمل في كل ما فيه عمارة الأرض وبناء الحضارة، حتى أنه كان يدفع الناس إلى العمل في مجال الزراعة والتجارة والصناعة، وكان يعتبر الحرف والمهن عزاً للإنسان، ويحثّ الناس على الجدية في الحياة، والكفاح من أجل الخير العام.

وإذا كان الناس في عصره منقسمين إلى قسمين لا ثالث لهما، إما أتباع السلطان أو الثوار عليه، فإن الإمام الصادق أبدع خطاً ثالثاً في الأمة، وهو خط الثبات على المبدأ وعدم الانخراط مع السلطان، من دون الدخول في المواجهة معه، مما قد تكون نتائجها الفشل سلفاً، ثم الانشغال بكل ما ينفع الأمة أفراداً وجماعات.

من هنا يمكن القول: أن الطريقة التي انتهجها الإمام الصادق، عليه السلام، تميّزت فيما تميّزت فيه بالثبات، ذلك بأن المشكلة في عهده لم تكن في مسألة التحول أو التغيير، لأن التحولات كانت جارية والتغييرات كانت مستمرة في أعلى السلطة وفي أدناها، إنها المشكلة كانت أن تلك التحولات والتغييرات لم تكن على أصول ثابتة ولا كانت لأغراض نبيلة، ولذلك كانت تنتقل مثل رقاص الساعة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن إفراط إلى تفريط، ومن تفريط إلى إفراط، ومن ظلم إلى ظلم معاكس ومن مصادرة للحقوق إلى مصادرة للحقوق، كانت تتغير الأشكال وتتغير الوجوه لكن لم تكن تتغير الأمور باتجاه الأحسن، فالوجوه كانت تتبدل لكن السياسة كانت تبقى قائمة على الظلم والعدوان، واستخدام العنف والسيف والقتل، وعدم مراعاة حقوق الآخرين، ومصادرة حق الناس في تقرير مصائرهم.

وبحكم أن الإمام الصادق عليه السلام، عاش عمراً أطول من غيره من الأئمة الطاهرين، فهو كان شيخ الأئمة إذ امتدت به الحياة زهاء خمسة وستين عاماً أي بإضافة سنتين على عمر الإمام علي عليه السلام.

 لذلك فقد أصبحت له فرصة تأسيس حركة متنامية على أصول ثابتة، وتعليم الكثيرين كيف يثبتون على المبادئ والقيم والمثل العليا، التي جاء بها النبي، رغم اختلاف الظروف وتبدل الحكومات وهذا الثبات مكّن الإمام، عليه السلام، من مواجهة تقلبات الأحداث، وتغيير المواقف بكثير من الاستقرار المبدئي، الأمر الذي وفر له مكاناً أرحب في ممارسة العمل وقيادة الأمة، والتنقل بها من أسلوب إلى آخر، ضمن ثوابت دينية حضارية لا تقبل التغيير والتبديل، وعلى نهج ثابت لا يتناقض مع نفسه، ولا مع المبادئ التي ينادي بها.

هذه باختصار سياسة الإمام الصادق في زمانه، وقد بنى على هذه السياسة بناء شامخاً عظيها في زمانه، وبقيت آثارها إلى هذا اليوم، وإلى بقاء الدنيا ومن فيها، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن السياسة ليست هدفاً كما قلنا، بل هي مجرد وسيلة، فإن تحقيق المبادئ والقيم والوصول إلى ما استهدفه الأنبياء والرسل والأوصياء والأولياء هو الهدف، ولقد حقق الإمام الصادق لما كان يريد تحقيقه، وبني ما كان يريد بناءه، وأقام ما كان يريد إقامته، وفي ذلك نجاح ليس فوقه من نجاح.

_________

سماحة آية الله السيد هادي المدرّسي، كتاب ذلكم الإمام الصادق عليه السلام (ج1).

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا