الهدى – متابعات ..
في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة العراقية إعلان حملاتها لحصر السلاح بيد الدولة، يرى مراقبون أن هذه الجهود تصطدم بواقع أمني هش، تعجز فيه مؤسسات الدولة عن مواجهة السلاح المنفلت فعليًا، وكأن الحديث عن سلاح بيد الدولة أصبح أمنية بعيدة عن الواقع، مع امتلاك البعض من الجماعات المسلحة لترسانات تفوق إمكانيات الأجهزة الأمنية.
وتجسد حادثة مقتل صحفي وسط العاصمة بغداد، وفي وضح النهار، نتيجة مشاجرة بسيطة، واحدة من أبرز مظاهر الفوضى التي يسببها غياب الردع الحقيقي وتفشي ثقافة استخدام السلاح لأتفه الأسباب.
ويحذّر خبراء من أن تجاهل جذور الأزمة، المتمثلة في غياب هيبة الدولة وضعف تطبيق القانون على الجميع، يجعل من حملات نزع السلاح مجرد إجراء شكلي، ما لم تقترن بإرادة سياسية شجاعة لكسر سطوة السلاح خارج إطار الدولة.
ويقول اللواء الحقوقي منصور علي سلطان، مساعد وكيل وزارة الداخلية لشؤون الشرطة وسكرتير ومقرر اللجنة الوطنية لحصر السلاح بيد الدولة، أن عملية شراء الأسلحة عبر المنصة الرسمية لا تزال مفتوحة، إلا أنه لم يقدم أي مواطن بطلب الشراء حتى الآن، رغم التسهيلات المقدّمة من طريق منصة (أور) التابعة للأمانة العامة لمجلس الوزراء.
وفي حديث له، أوضح اللواء سلطان أن جهود تسجيل الأسلحة داخل المنازل مستمرة، مشيرًا إلى أن عدد من قاموا بتسجيل أسلحتهم بلغ حتى الآن أكثر من 35 ألف رب أسرة، مع استمرار العملية حتى نهاية العام الجاري (31/12/2025).
كما لفت إلى ضبط أكثر من ألف قطعة سلاح غير مرخصة خلال عام 2024، بالإضافة إلى استعادة الأسلحة التي كانت قد سلّمت إلى العشائر في ظروف سابقة، وسحب أكثر من 32 ألف قطعة سلاح متنوعة من وزارات مدنية، ضمن إطار إعادة تنظيم السلاح داخل مؤسسات الدولة.
وفي جانب آخر من الجهود، شدد اللواء سلطان على مواصلة القوات الأمنية مكافحة ظاهرة “الدكة العشائرية” وإطلاق العيارات النارية العشوائية، والتي تشكّل تهديدًا مباشرًا لأمن المواطنين، فضلًا عن إغلاق محال بيع السلاح غير المرخصة، واتخاذ إجراءات قانونية صارمة ضد مروجي العنف عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وأكد أن كل هذه الخطوات تأتي ضمن استراتيجية وطنية شاملة تسعى لحصر السلاح بيد الدولة، داعيًا المواطنين إلى التعاون مع القوات الأمنية والمساهمة في إنجاح الحملة، التي وصفها بأنها أساس لضمان أمن المجتمع وبناء دولة القانون.
كما وجّه سلطان دعوة لوسائل الإعلام للاضطلاع بدورها في دعم جهود اللجنة الوطنية لحصر السلاح، من خلال توعية المواطنين، والتأكيد على أهمية اغتنام هذه الفرصة لإعادة ضبط المشهد الأمني بما يضمن أمان المواطن واستقرار البلاد.
بدروه، يقول المحلل السياسي أحمد الحمداني أن “ملف السلاح المنفلت في العراق ما زال واحداً من أخطر التحديات التي تواجه الدولة”، لافتا إلى أن “جهود حصر السلاح بيد الحكومة لم تحقق نتائج فعلية بسبب ضعف مؤسسات الدولة، وارتباطها العميق بمصالح الأحزاب والفصائل المسلحة”.
وأشار الحمداني إلى أن “الحديث عن سلاح بيد الدولة، يبدوا أقرب إلى الأمنية منه إلى الواقع”، موضحاً أن “الدولة تعاني من “هشاشة في العظم، وهشاشة في التفكير، وهشاشة في اتخاذ القرار”، على حد وصفه، وهو ما يجعل مؤسساتها عاجزة عن فرض القانون أو اتخاذ خطوات حاسمة تجاه الميليشيات والجماعات المسلحة.
ولفت إلى أن الحكومة عندما تحاول جمع السلاح، تبدأ بالمواطن بدلاً من التوجه إلى الجماعات التي تمتلك ترسانات من الأسلحة الثقيلة والخفيفة، محذراً من أن “الاستمرار بهذه السياسة هو إهدار للمال العام، ومحاولة شكلية لا تمس جذور المشكلة”.
وأضاف أن المجتمع العراقي بحاجة إلى إعادة بناء شاملة: “نحتاج إلى شوارع محترمة، إلى حكومة تمتلك الإرادة، إلى إعلام يثقف لا يطبل، إلى قانون يكسر ظهر الفاسد والمجرم، لا يحميه”، مشيراً إلى أن ما يحدث اليوم هو نتيجة تراكمات طويلة من الإهمال والفساد وغياب الدولة.
ووسط جهود الحكومة العراقية الرامية لحصر السلاح بيد الدولة وتحقيق الاستقرار، يقدّم الخبير الأمني أحمد الشريفي قراءة واقعية وحذرة لمجريات الأمور، عاداً برنامج نزع السلاح، رغم كونه طموحًا ومطلبًا شعبيًا واسعًا، لا يزال بعيدًا عن ملامسة جوهر الأزمة الأمنية في البلاد.
ويؤكد الشريفي أن “التهديد الحقيقي للأمن لا ينبع من الأسلحة الخفيفة التي يحتفظ بها المواطنون داخل منازلهم، بل من ترسانة الأسلحة الثقيلة والمتطورة التي تمتلكها العشائر والفصائل المسلحة”.
ويشير إلى أن هذه الأسلحة هي التي تمثل الخطر الأكبر على السلم الأهلي وعلى هيبة الدولة، ومع ذلك، لا تواجه بالحزم المطلوب.
ويذهب الخبير الأمني أبعد من ذلك، مشيرًا إلى أن تنفيذ أي برنامج فعال لنزع السلاح مرهون بتوفر قرار سياسي شجاع، وإجماع حقيقي بين الأطراف النافذة، وهو ما يفتقر إليه المشهد الحالي.
